هاشتاق

ولد برهام، يرتكب مرة أخرى جنحة الكتابة

سأرتكُب الآن- مرّةً أخرى- جنحة الكتابة هنا. أُصبتُ بأوّل سآمة من فيْسبوك في 2015. كان ذلك صيف المرَح في أسطنبول وإزمير وكابادوكيا. وقد جاءني الوحي من مكان بعيد، أظنّ الآن- دون دليل ملموس- أنّه السماء. فاعتفتُ المنصّة اعتيافاً شديداً؛ ونجوتُ إلى شعاب الجبال حيث النسيم العليل، الذي يملأ حشاشات القلب الضيِّق وينخر في الفؤاد المأزوم. ثمّ بعد ذلك انقطَع عنِّي الوحي وعُدتُ أخوض مع الخائضين. وكنتُ أعدِّ دكتوراهي فأصبحتُ بعد ذلك أهجُر المنصّة في الربيع وأعود لها في الصيف. وفي ذلك الهجران تولّدت لي طبيعة في الانقطاع والإحجام.
وشاءت الأقدار أنّ عدة ظروف موضوعيّة حلّت بالمنصة في هذه الأثناء. أوَلاً، أغلِقَ المجال العام بسبب حوادِث الاحتشادات القداسيّة، التي أنهَت التفكير والمناظرة واستبدلته بالأوراد والترديد. ومع أواخِر العشرية كان الحصاد قد آتى أكله وانهار العقل العام جملةً. ثمّ بدأ شراء الناس وأصبحت الأفكار تباع بالقطعة، بل وبالقصعة. ثم إنّ الثقافة الشفهية سرعان ما مسحت بالثقافة الكتابية والحجاجية الأرض. وأصبَحت الأشياء تُرى، ولا تكُتب، والعقائد تُردّد ولا تُبرّر. واستحكمت البغضاء والصغائر في النفوس والتعليقات. أضِف لهذا أنّ أسراباً ممّا سيُسمّى لاحقاً- دون عدم نكاية وأحياناً بظلمٍ- بالذباب قد بدأت تُشاهد في الغيوم.
فانتهجت مع المنصة أولاً سياسة السبت، ولكنّني فشلتُ في المثابرة. ونجوت ببدني (إلى تويتر، حيث خيّل إليَ أنّ به ملك لا يُظلَم عنده أحد). وقد حاولت أكثَر من مرّة العودة، وذلك من خالص التفكير الميكيافيلي بتعاهد كلّ ما لي فيه قدم ووجاهة وعدم تركِه للأغيار أو للفراغ. غير أنّ الدعوة لم تكن دوماً كريمة. كانت النقاشات إمّا عن زندفة فلان أو سفور فلانة أو زلّة عِلاّن أو قبيلة علاّنة أو زفاف الفلانيين وأصول المُعيّنين، ناهيك عن التنمّر البغيض ومركّبات النقص والميل المرَضي للإيذاء النفسي و”خفة الكائن التي لا تحتمل”. وحتّى الخلافات الكروية المفترض أن تكون بريئة كانت مليئة بالسموم.
إنّ نقاشات مجتمعنا ما زالت قروية. وليس هذا بعيبٍ ضرورةً؛ بل قد يكون دليلاً على السلامة وهوان المشاكِل. المجتمعات الأخرى تناقِش أهوالاً وأخطاراً وجودية. وصحيحٌ أنّها، مثلنا، تعاني من صعود متنامٍ للمصادَرة والحجر الفكري؛ ولكنّها ما زالت تُناقِش خالص الأفكار. اليوم عندما أزور المنصّة أجدها خاوية على عروشها. فلا أدرى هل شاخَ أصدقائي وذبلت زاوية رؤيتي أم أنّه ما زال بالوافِدين حماس وجذوة؟
أعتقِد أنّ هذا التصحّر وتلك الخفة ليسا سيئين، لأنّهما يُعبِّران من ناحية عن عدم تعقّد الوضعية وإمكانية تلافيها؛ ومن ناحية أخرى عن سعة صدر شعبنا وميله للمرح والتغافل والتبسيط. كلّ ذلك قد يكون خيراً. من ناحية لا أعتقِد أنّ مجتمعنا بناجٍ من المشاكِل الكبرى، بل هو يلملمها تحت البساط، حتى تنفجر في وجهه يوماً. ولكنّي آمل أن طيبوبته ستدفعه إلى تلافي الرعونة والبوار عندما يحين أوان التدهور، وآمل أن تقوده هذه الروح اللامهمومة والمرحة، كما تاريخه الرزين، إلى سلام إن حلّت الأكدار.
أصدقائي صديقاتي،
صحيحٌ أنّني بعيد، ولكنني- بخالص عهدي- قريب. كلِّي اشتياقٌ لكم. وآمل أن نرى بعضَنا أكثر ممّا هو كائن. رمضان كريم، وكلّ عامٍ وأنتُم بألف خير.
أخوكم

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى