sliderالمبتدأ

كتب كافكا عن زمن التحول، كتابا شهيرا إسمه Metamorphose… عن تحول من نوع آخر، سأتكلم…

كتب كافكا عن زمن التحول، كتابا شهيرا إسمه Metamorphose…
عن تحول من نوع آخر، سأتكلم…

*

في الفترة الأخيرة، كتبت قصاصات عديدة و لم أجرؤ على نشر أي منها… اليوم عقدت العزم أن أكتب شيئا عن الحرب الأخيرة و أنشره…

بادئ ذي بدء، كان بودي لو كان موضوع نشري هذا، متعلق حصريا بما شعرت به من حزن أيام تلك الحرب… و لكنني قررت تفادي ذلك رغم علمي بأن مزاجي المتعثر سيترك لا محالة، بصماته بين سطور أي موضوع سأتكلم عنه هذه الأيام…
و قد قررت ذلك، لأنني أعرف أن فصحي عن حزني لأهلي، سيزيد ألمي، بألم أحر منه…! حقيقة، محيطي، في أغلبيته الساحقة، لم يشعر بما شعرت به، من خطر حقيقي مر به وجداننا في هذه الصولة الخطيرة الأخيرة. و كنت بدلا من أن أُفهم، سأرمى، بغرابة في الأحاسيس في أفضل الأحوال، أو أتعرض لأحكام جارية في أسوئها. فلقد لبس الزمان ثوبا جديدا من المرج و الهرج و اللغط و السخط و الشطط، ما عهدناه به !

حقيقة، بالنسبة لحزني، يكفيني مواساة فيه، أن كل السماوات تعلم أن ما يدور من ظلم في أمتنا منذ زمن و ما دار مؤخرا فيها، يتجاوز ألمه، كل الحدود…!
*

حقيقة، لقد تعامل أهلنا مع الصولة الشرسة المتجددة لرأس أفعى رأس المال المتسلط مرة أخرى و ذلك على بلد مسلم آخر جار، بسلوك أقرب ما يوصف به : عدم الاكتراث…! و هي الصولة التي كانت تبتغي إسقاط آخر قلعة ممانعة للضياع في أمتنا، بعد أن تهاوت، متتابعة للأسف، قلاعنا العزيزة في بغداد و طرابلس و دمشق و الخرطوم و انتهت بذلك “عروبتنا” تماما كما انتهت من قبلنا، “هندية” الهنود الحمر في القارة الأمريكية. و الأغرب و الأحر في هذا أن بعضنا كان يساند ذلك العدوان و يحلم بأن ينتهي ذلك البلد…
و إن لم يكن وصف عدم الاكتراث بدقيق، فعلى كل حال، هذه الحرب كانت بالنسبة لهم مجرد فرجة ملأوا بها فراغاتهم… فذهبوا في متابعاتها، في جدالات عميقة و كأننا كلنا في سن غفلة الشباب و كأن الأحداث مجرد لعبة بين دولتين…!
كما ذهب بعض محلليهم في ناحية، إلى جدال حول ما إن كانت هذه الحرب مجرد مسرحية بين نظامين متربصتين بنا أم لا و كأننا مازلنا قائمين في الدنيا حتى يتربص بنا…!
و في ناحية أخرى، تسمعهم في لغط حول ما إن كان ما يحدث في الأراضي المغتصبة من تطاير للشهب و النار مجرد مونتاج من وحي الذكاء الاصطناعي أم لا..!
و قد كان بعضهم حقيقة، قاسيا في متابعته للحرب، حتى صار يخيل إليك أنهم كجمهور في حلبة من حلبات صراع الديكة المعروفة في مكسيكو سيتي مع شماتة مؤلمة للطرف الذي كان عليهم أن يؤازروه… و البعض الألطف المتعاطف مع الجانب الفرسي، تابع الأحداث و كأنها في كوكب آخر و تأثير “صدى الملاعب”، عليه واضح في كل تجليات تعاطفه،…

يبدوا إذا أن أهلنا لم يتعلموا من أخطائهم الفادحة الماضية في أنفسنا في تعاملهم مع ما حدث لأرض إسلامية ممانعة جارة بهذا الجفاء العجيب….
حقيقة، إما أننا لم نعد نحن، نحن أو أننا نحن و لكننا سكنا في سبات عميق… و لكن كيف نفيق على ظلم جيراننا و نحن لم نفق حتى الآن، على ظلمنا الفظيع الذي فقداننا فيه كل وجداننا كأمة من أمم العالم المعاصرة المهيبة ؟

و لكن بالله عليكم، كيف يعقل، أن تستمر غفلة أهلنا هذه، الرهيبة القاتلة عن مصيرنا في هذه الدنيا ؟
و كيف لهم أن يستهينوا إلى هذه الدرجة، بأمانة حياة أجيال و أجيال وراءها، مودعة عندهم… ؟

حقيقة يساورني شك في هذا الأمر الجلل، بأن لانقساماتنا الأيديولوجية العبثية التي تتبعنا في كل ظرف زمان و مكان، دور في هذا السبات المهين… متى يا ترى، سننتفض منها ؟
*

و لكن، في الحقيقة ليس الذنب ذنب الأيديولوجيات وحدها. فقد جُبل أهلنا، على هذه الحالة الغريبة في اعتقادي، بوسائل إضافية أخرى أكثر خطورة و ذلك، من طرف منظومة رأسمالية؛ استطاعت أن تستفحل من محض ذاتها، متغلبة على الإنسان الذي أنشأها؛ فارضة على البشرية كلها، أجندة لا مكان للرحمة في أدبياتها. و هي المنظومة التي يشهد التاريخ على دورها في إبادة الشعوب و استعبادها و سفك دماء عشرات الملايين منها، في حروب بدأت منذ نشأتها، لم يسلم منها زمن و مكان.

هذه المنظومة إذا هي التي حضرت و نفذت فينا، آلية مخيفة، دجنتنا بها حتى صرنا لا نميز بين الخيط الأبيض و الخيط الأسود…و حتى صرنا نقبل بلا أي شك أن الليل نهار و أن الضياع وجود و أن الاستعباد حرية و أن الجهل أساس للسلام و أن ٢+٢ = ٥ إلى آخر اللائحة. كما في طرح جورج أرويل في 1984.
و قد مُحِي إثر هذا التدجين كل الماضي من ذاكرتنا و وجداننا، فبطل التنويري اليوم لم يكن أبدا متطرفا ظلاميا من قبل… و الوحوش المقززة اليوم، لم تسهر أبدا من قبل، على رغد حياة شعوبها و على نخوتها و على كرامتها…
و هنا، لابد أن نترحم على شهداء الكرامة فينا: اللهم أرحم عبادك صدام حسين المجيد، معمر القذافي أبو منياف، علي عبد صالح، إسماعيل هنيه و حسن نصر الله… و كل شهداء مقاومة ضياعنا… برحمتك الواسعة إنك سميع مجيب
**
لقد صدق حقا من قال إن السلطة المطلقة، مفسدة مطلقة… و لقد تجلت مفسدة السلطة الرأسمالية المطلقة المتنفذة في كل العالم، في كل أقطابه، بمحاربتها فينا للمحبة بين الشعوب، لا لشيء، إلا لأنها قوام وحدتها و تضامنها و بمحاربتها فينا للسلام، لا لشيء، إلا لأنه أساس الرخاء و الازدهار. و في المقابل، بنشرها فينا للكراهية بين الشعوب و تشكيك الجار في جاره و زرع الحروب…

في عهدها، الحياة كلها انبطاح ! الإنسان قُزم و صار مجرد رقم في بنك معطيات ضخمة…
في عهدها ولى، زمان العمودية المحركة للحياة. لا أبوة أسرة كما كانت و لا إمامة دين كما كانت و لا رئاسة دولة كما كانت…. الدنيا صارت في عهدها لعبة بيد الوسائط التكنولوجية، تتصرف فيها كما تشاء. و قد ملأتها حقدا و خدعا و نفاقا و شقاقا، مستعينة بالحديد و النار…
*

أما عني أنا و عن حزني، فلمن الكلام… ؟ و لمن الكتابة…؟
فما أنا اليوم إلا نشاز بين ذويي المقيدين بمنظومة نمطية، أحادية الشكل و المحتوى، محكمة الإعداد والتنفيذ، من طرف منظومة تسوقهم إلى التهلكة……

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى