sliderالمبتدأ

القبيلة لا تبني الأوطان… والعمل الصالح هو المقياس

بقلم: محمد الحبيب هويدي

في زمن تتسارع فيه التحديات الكبرى، الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، يطل علينا خطاب قبلي بائس يحاول تقسيم الناس بين “أصل” و”نسب”، وكأننا لم نتعلم من دروس التاريخ ولا من صرخة القرآن الكريم: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ” [الحجرات:13].

أية قيمة للنسب إذا كان أبو جهل – سيد قريش نسبًا – قد خُلد رمزًا للباطل؟ وما جدوى الأصل إذا كان إخوة يوسف – أبناء نبي – قد غدروا حسدًا؟ وما نفع السلطة لفرعون الذي صار لعنة في ذاكرة البشرية؟ أليس قابيل ابن آدم أول من سفك الدم على الأرض؟ هذه النماذج تؤكد أن الشرف لا يُقاس بالدم ولا بالقبيلة، بل بالعمل الصالح وبما يقدمه المرء لوطنه ومجتمعه. وقد قال تعالى: “وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا ۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ” [الأنعام:132].

ومع ذلك، نجد اليوم من يصرّ على إعادة إنتاج العصبية وكأنها مفتاح الشرعية السياسية والاجتماعية. هؤلاء لا يمثلون أصالة القبيلة ولا شرفها، بل هم مقاولو فتنة، يستثمرون في الانقسام ويعتاشون من صناعة الشقاق. القبيلة حين تتحول إلى أداة سياسية، تصبح معول هدم للديمقراطية والتنمية، لأنها تُقصي الكفاءة وتُعلي الولاء الأعمى، وقد حذرنا القرآن من ذلك بقوله: “وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ” [الأنفال:46].

إن أخطر عدو للوطن ليس من يتربص به من الخارج، بل من يطعن وحدته من الداخل بخطاب قبلي يزرع الكراهية ويغذي الأحقاد. والواقع أن القبيلة لم تبنِ مدرسة، ولم تؤسس مصنعًا، ولم تُشيد مستشفى، ما يبني الأوطان هو المواطن الحرّ الكفء حين يتحرر من قيود العصبية ويؤمن أن مستقبله في عمله وعلمه وإخلاصه.

لقد آن الأوان لنرفع الصوت عاليًا: لا مكان للقبلية في دولة المؤسسات، لا مكان للعصبية في مشروع وطني يسعى للعدل والكرامة للجميع. الوطن بحاجة إلى سواعد تبني لا إلى ألسنة تؤجج، إلى عقول تخطط لا إلى نفوس أسيرة أوهام التفوق القبلي. وقد قال تعالى: “وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا” [آل عمران:103].

الوطن أكبر من القبيلة، ومن يراهن على غير ذلك فهو إما واهم أو متآمر. والتاريخ لا يرحم المتقاعسين، والأمة التي تنهشها العصبية تسقط لا محالة. فلنحسم الأمر: الوحدة قوة، والقبلية ضعف، ومصلحة الوطن فوق كل اعتبار.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى