كتب: محمد محمود ولد سيدي بوي:
في خضم المشهد الموريتاني الراهن، يخرج الناطق باسم الحكومة ليعلن أن الدولة ستكرم كل من يكشف خرقًا أو فسادًا بأدلة ثابتة.
قد يبدو هذا التصريح للوهلة الأولى خطوة في اتجاه الشفافية والمساءلة، غير أنّ من يعيش تفاصيل الواقع يدرك أن المشكلة لم تعد في غياب البلاغات أو شح المعلومات، بل في كون الفساد نفسه أصبح القاعدة السائدة لا الاستثناء، والنسق الحاكم لا الخرق الطارئ.
إن الفساد السياسي والإداري في موريتانيا لم يعد يحتاج إلى من يفتّش عنه، فهو يطل بوجهه من كل مناقصة مثيرة للريبة، ومن كل قرض أو منحة دولية كان يفترض أن تغيّر حياة المواطنين فغيّرت فقط ملامح الأحياء (الراقية )في العاصمة.
فما إن يعلن عن مشروع تنموي أو دعم خارجي حتى تنبت القصور في أحياء معروفة وتزدان الشوارع بأحدث السيارات القادمة من أسواق أوروبا والخليج، بينما تبقى المستشفيات خاوية والمدارس بلا تجهيزات، والقرى النائية بلا ماء ولا كهرباء.
الحديث عن تكريم المبلّغين قد يصلح للاستهلاك الإعلامي، لكنه في ظل هذه المعادلة أشبه بمحاولة رش الملح على جرح متعفن.
فالمطلوب ليس شهادات شكر لمن يجرؤون على الكلام، علماً أنها لن تحصل أصلاً ،بل العكس صحيح، سيجد المبلغين أنفسهم إما متابعين قضائيا، أو داخل السجن،مانحتاجه الآن هو؛سياسية توقف نزيف المال العام وتحاسب الذين راكموا الثروات داخل البلاد وخارجها على حساب شعب مسحوق.
الإصلاح هنا لا يبدأ من شعارات ولا من صور متكررة في نشرات الأخبار، بل من مساءلة حقيقية تطال شبكات النفوذ والامتياز، وتعيد تعريف السلطة باعتبارها خدمة عامة لا امتيازًا عائليًا أو قبليًا.
لقد بات من المفارقة أن البحث عن النزاهة صار هو النشاز، وأن الذين يصرخون في وجه الفساد يُتهمون بالشغب أو يُدفعون إلى الهامش.
وإذا استمر هذا النسق، فإن أي خطاب رسمي مهما كان بليغًا لن يغير الحقيقة الجوهرية: الفساد لم يعد حالة عارضة يمكن الإبلاغ عنها، بل منظومة راسخة تتغذى على غياب المحاسبة وضعف المؤسسات وتواطؤ بعض المنتفعين.
ومواجهة هذه المنظومة تتطلب أكثر من التصريحات؛ إنها تحتاج إلى مشروع سياسي يعيد الاعتبار للقانون، ويضمن الشفافية في الداخل كما في الخارج، ويكافئ النزاهة بالأفعال لا بالوعود.
بقلم: محمد محمود سيدي بوي رئيس المرصد الموريتاني للعدالة والمساواة




