sliderالمبتدأ

قراءة فنية في قانون المالية

محمد الأمين حبيب

شهدت الساحة الوطنية في الفترة الأخيرة نقاشاً صحياً مع دخول قانون الميزانية لسنة 2026 حيز التنفيذ، ومع أهمية هذه النقاشات وما تتطلبه من إنارة للرأي العام لأهميته في حياة المواطن، ولذلك كخبير محاسبي ومستشار جبائي ومن باب إنارة الرأي العام وتشجيع الحوار البناء، وكذلك إعادة الموضوع إلى بعده الفني البحت حتى لا يتم استغلاله في اتجاهات أخرى، نتناول الموضوع بالطرق التالية:

.1 مفهوم الضرائب

تعرف الضرائب كمدفوعات أو رسوم إلزامية يتم فرضها من طرف الدولة على الأشخاص والشركات ويتم غالباً حسابها كنسبة من الأرباح، الممتلكات، السلع أو الخدمات من أجل تمويل الإنفاق العمومي من بنى تحتية، تعليم، طرق ورواتب. شكلت الضرائب جزءاً لا يتجزأ من الحضارة الإنسانية حيث كانت مصر القديمة أول نظام ضريبي معروف منذ 3000 عام قبل الميلاد حيث كان المزارعون يدفعون نسباً من محاصيلهم كضرائب، أما في اليونان كانت تفرض على الممتلكات والتجارة أما في روما على الأفراد. في القرنين 18 و19 أدت الثورة الصناعية لزيادة الإيرادات الضريبية وبدأت الحكومات في استخدام الضرائب لتمويل الاقتصاد، وفي عصرنا الحديث بدأت الحكومات باستخدام الضرائب لتمويل الخدمات العامة ودعم البرامج الاجتماعية.

.2 النظام الجبائي الوطني

يتميز النظام الضريبي في بلادنا بكونه نظاماً تصريحياً يعتمد بشكل أساسي على المبادرة الطوعية للمكلفين في تقديم بياناتهم المالية. ومع ذلك، تحتفظ الإدارة الضريبية بحق الرقابة والتدقيق لضمان دقة التصاريح وحماية حقوق الدولة. تشرف المديرية العامة للضرائب، التابعة لوزارة المالية، على إدارة هذا النظام وتطويره، وقد شهدت السنوات الأخيرة إصلاحات وتحديثات تهدف إلى تعزيز العدالة الضريبية وزيادة كفاءة التحصيل المالي لدعم ميزانية الدولة وتلبية احتياجات التنمية.

أ: أنواع الضرائب الرئيسية
تُقسم الضرائب في موريتانيا إلى فئتين رئيسيتين: الضرائب المباشرة التي تُفرض على الدخل والأرباح، والضرائب غير المباشرة التي تُفرض على الاستهلاك والعمليات المالية:

• الضريبة على الشركات.

• الضريبة على أرباح الأعمال للأشخاص الطبيعيين.

• الضريبة على الرواتب والأجور.

• الضريبة على الدخول العقارية.

• الضريبة على رؤوس الأموال المنقولة.

• الاقتطاع من المنبع لغير المقيمين.

• الضريبة على القيمة المضافة.

• الضريبة على العمليات المالية.

• رسم التمهين.

• ضريبة العربات ذات المحرك.

• ضريبة المعاملات الإلكترونية.

• ضريبة الكربون.

.3 قانون المالية لسنة 2026

يشكل قانون المالية لسنة 2026 دلالة خاصة ورمزية في مسار تطور إدارة المالية العامة ضمن ميزانية برامج مبنية على الأداء.

ب: السياق الدولي
يتميز الاقتصاد الدولي بمرحلة عدم يقين، مع تصاعد النزعة الحمائية وإعادة توجيه السياسات الميزانوية لدى بعض الدول الكبرى مع حرب الرسوم الجمركية، ورغم الاتفاقيات والتعديلات اللاحقة يبقى الوضع هشاً. من جهة أخرى فقد راجع البنك الدولي توقعاته للنمو إلى 2.8٪ ثم 3٪ في يوليو الأخير. ومن المتوقع أن يصل النمو العالمي إلى 3.1٪ في 2026 حيث ستسجل الدول المتقدمة نمواً بـ 1.5٪ بينما الدول الصاعدة والنامية 4٪، أما التضخم العالمي فسينخفض لـ 3.7٪ في 2026.

ت: السياق الوطني
من المتوقع أن يبلغ معدل النمو 5.1٪ في سنة 2026 بدلاً من 4.1٪ في 2025، ومن المتوقع كذلك أن يشهد النمو تسارعاً بفضل الانتعاش في القطاع الاستخراجي خاصة مع ارتفاع إنتاج الغاز.

ث: توجهات مشروع قانون المالية لسنة 2026
ستُوجَّه الاعتمادات الميزانيّة المدرجة في مشروع قانون المالية لسنة 2026 نحو تنفيذ المشاريع الاجتماعية والاقتصادية المدرجة في إطار البرنامج الرئاسي. وستسُهم هذه الاعتمادات على وجه الخصوص في مواصلة تنفيذ “البرنامج الأولي لتعميم النفاذ إلى الخدمات الضرورية للتنمية المحلية” بمبلغ قدره 7.115.117.346 أوقية، وكذلك في إنجاز “البرنامج الاستعجالي المندمج لتنمية مدينة انواكشوط” بمبلغ قدره 1.116.208.921 أوقية، مع الشروع في تنفيذ المرحلة الثانية من هذا البرنامج وذلك بمبلغ 1.103.440.000 أوقية.

بالإضافة إلى هذه البرامج، تجدر الإشارة إلى أن هذا القانون يضم أيضاً عدة مشاريع من بينها:

• مشروع توسعة المحطة الكهربائية “هجينة” بقدرة 180 ميغاوات لإضافة 60 ميغاوات جديدة، بمبلغ قدره 1.550.000.000 أوقية.

• توسعة شبكات الجهد المتوسط بالمنطقة الجنوبية الشرقية ضمن مشروع الحزام بين كيهيدي وسيليبابي بمبلغ قدره 536.717.636 أوقية.

• خط كهربائي بجهد 225 كيلوفولت بين كيفة – العيون – الطينطان – يليمامه، مع المحطات المرتبطة به بمبلغ 83.160.000 أوقية.

• اقتناء معدات وتجهيزات طبية تقنية بمبلغ 1.396.800.000 أوقية.

• برنامج “تكافل” (شبكات الأمان الاجتماعي وتحسين القدرة الشرائية) بمبلغ 1.384.000.000 أوقية.

• برنامج “الشيله” (النفاذ إلى الخدمات الأساسية في مجال التعليم) بتمويل قدره 1.000.000.000 أوقية.

• الصندوق الوطني للتشغيل بمبلغ قدره 550.000.000 أوقية.

• بناء طريق تجكجة – كيفه – كنكوصة – سيليبابي – خاي بمبلغ قدره 993.916.700 أوقية.

• شبكات الطرق بمثلث الأمل: مونغل – صواطه – باركيول بمبلغ قدره 500.000.000 أوقية.

• برنامج إنجاز شبكات الطرق داخل البلاد بمبلغ 388.000.093 أوقية.

• إعادة تأهيل الشبكة الطرقية الوطنية بمبلغ قدره 300.000.000 أوقية.

• تشييد طريق أطار – شنقيط بمبلغ 253.624.014 أوقية.

• تشييد طريق آمورج – عدل بكرو بمبلغ 100.000.000 أوقية.

• تشييد طريق كرمسين بالمحيط بمبلغ 100.000.000 أوقية.

• أشغال بناء طريق آشميم – نبيكت لحواش بمبلغ 87.352.564 أوقية.

• عقد – برنامج لصيانة الطرق الحضرية بمبلغ قدره 200.000.000 أوقية.

• أشغال صيانة الشبكة الطرقية الوطنية بمبلغ 635.993.770 أوقية.

• تشييد طريق تمبدغه – بوصطيله – عدل بكرو بمبلغ قدره 400.000.000 أوقية.

• تشييد طريق الطينطان – عين فربه – أطويل بمبلغ قدره 30.000.000 أوقية.

• تشييد طريق اركيز – البزول بمبلغ قدره 20.000.000 أوقية.

• تهيئة المناطق الريفية بمبلغ قدره 415.000.000 أوقية.

• مشروع تزويد مدينة كيفه بالمياه الصالحة للشرب انطلاقاً من نهر السنغال بمبلغ قدره 750.000.000 أوقية.

• مشروع تنفيذ قنوات مائية بمبلغ قدره 970.000.000 أوقية.

• تأمين وتعزيز تزويد مدينة نواكشوط بالمياه الصالحة للشرب انطلاقاً من حوض إديني بمبلغ قدره 306.308.547 أوقية.

• مشروع الصرف الصحي لمدينة نواكشوط بمبلغ قدره 600.000.000 أوقية.

• تهيئة المساحات الزراعية لفائدة الشباب الخريجين بمبلغ قدره 300.000.000 أوقية.

• طباعة وتوزيع الكتب المدرسية بمبلغ قدره 100.000.000 أوقية.

• وفي إطار تحسين ظروف معيشة المدرسين وضمان تسهيل حصولهم على سكن لائق، سيتم إنشاء ميزانية تحويل خاصة تُسمى “صندوق دعم سكن المدرسين”، بسقف قدره 600.000.000 أوقية.

وعلاوة على ذلك، ومن أجل تعزيز الشفافية وقابلية التتبع في تنفيذ الأموال العمومية، سيتم دمج تنفيذ التمويلات الخارجية في نظام “الرشاد” بنسخته الجديدة، بما يضمن إدماجاً أفضل للموارد الخارجية في الدورة الميزانوية الوطنية ورقابة أكثر دقة على استخدامها.

ج: مقارنة الميزانية بين قانون المالية المعدل لسنة 2025 ومشروع قانون المالية لسنة 2026

البيان

قانون 2025 (المعدل)

مشروع 2026

التغير (%)

الإيرادات الإجمالية

116.96 مليار

128.79 مليار

+10.11%

الهبات

8.80 مليار

7.72 مليار

-12.27%

الإيرادات الضريبية

76.20 مليار

85.14 مليار

+11.74%

الإيرادات غير الضريبية

29.68 مليار

32.33 مليار

+8.95%

استثمار (موارد خارجية)

10.05 مليار

11.77 مليار

+17.11%

• من المتوقع أن تصل الإيرادات الإجمالية إلى 128.79 مليار أوقية سنة 2026، مقابل 116.96 مليار أوقية في قانون المالية المعدل لسنة 2025، أي زيادة قدرها 11.83 مليار أوقية (+10.11٪) ويعكس هذا التحسن تعزيز التعبئة الداخلية وتنويع مصادر الدخل.

• الإيرادات الضريبية ارتفعت بـ 8.94 مليار أوقية (+11.74٪)، مما يعكس آثار الإصلاحات المتعلقة بتحديث ورقمنة النظام الضريبي وتوسيع القاعدة الضريبية.

• الإيرادات غير الضريبية زادت بـ 2.65 مليار أوقية (+8.95٪)، مدفوعة أساساً بـ: ارتفاع إيرادات قطاع الصيد (2.19 مليار أوقية)؛ وارتفاع إيرادات القطاع المعدني (0.71 مليار أوقية).

• أما إيرادات المحروقات فقد سجلت نمواً ملحوظاً، إذ ارتفعت من 2.28 إلى 3.60 مليار أوقية (+57.89٪).

• في المقابل، انخفضت المنح بـ 1.08 مليار أوقية (-12.27٪)، مما يعكس تراجع الاعتماد على التمويل الخارجي واللجوء المتزايد إلى الموارد الداخلية.

• ارتفعت نسبة الإيرادات الإجمالية إلى الناتج المحلي الإجمالي من 25.67٪ إلى 26.47٪، وكذلك ارتفع الضغط الضريبي إلى 17.50٪ من الناتج المحلي الإجمالي مقابل 16.72٪ في 2025.

• أما نسبة المديونية العمومية فتمت مراجعتها لتبلغ 45.2٪ من الناتج المحلي في 2025، ويتوقع أن تنخفض إلى 43.3٪ في 2026.

• الاستثمارات الممولة من الموارد الخارجية ارتفعت من 10.05 إلى 11.77 مليار أوقية جديدة (+17.11٪). كما ارتفعت نسبة النفقات الإجمالية إلى الناتج المحلي الإجمالي من 26.14٪ إلى 27.16٪ ونفقات الاستثمار من 11.76٪ إلى 12.76٪.

.4 الإجراءات الضريبية الجديدة

أ: ضريبة المعاملات الإلكترونية

1. رفع معدل ضريبة العمليات المالية إلى 20٪: إن إنشاء ضريبة جديدة على المعاملات عبر المحافظ الإلكترونية والخدمات المصرفية الرقمية، المسماة بضريبة المعاملات الإلكترونية تريد الحكومة منه الاستجابة لعدة ضرورات اقتصادية، واجتماعية وتقنية. لقد أدى التطور المتزايد لرقمنة العمليات المالية لحدوث تغيرات جذرية في طرق الدفع التقليدية مع تضاعف كبير في المعاملات الإلكترونية. نظراً لهذا النمو الكبير ومع تسرب جزء من التدفقات المالية خارج القنوات المصرفية التقليدية، ومن هنا يأتي اقتراح رفع معدل ضريبة العمليات المالية إلى 20٪.

2. إنشاء ضريبة للمعاملات الإلكترونية: تطبق هذه الضريبة على عمليات الدفع أو التحويلات عبر المحافظ الإلكترونية والخدمات المصرفية الرقمية التابعة لمشغل مقيم، وكذلك على العمولات الأخرى المقبوضة من طرف الوكلاء المتعلقة بإيداع النقود. يستثنى منها المعاملات لفائدة أو حساب الخزينة، الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، التحويلات ذات الطابع الإنساني أو الاجتماعي أو المساعدات العامة والعمليات الفردية تحت 500 أوقية جديدة. وتحدد كما يلي:

o 0.1٪ على المبالغ المحولة أو المدفوعة إلكترونياً.

o 10٪ على العمولات الأخرى المقبوضة من طرف الوكلاء المتعلقة بالإيداع للنقود.

.5 معضلة القطاع غير المصنف

يمثل القطاع غير المصنف جزءاً كبيراً من الاقتصاد الموريتاني. إن ارتفاع العبء الضريبي على الشركات النظامية يدفع الكثير من الفاعلين الاقتصاديين للبقاء في الظل لتجنب الضرائب، مما يؤدي إلى “تآكل الوعاء الضريبي” وخلق منافسة غير عادلة مع الشركات الملتزمة.

خاتمة

إن النظام الضريبي في موريتانيا يمر بمرحلة انتقالية هامة. وبينما نجحت الدولة في زيادة إيراداتها الضريبية لتصل إلى مستويات تقارب 16٪ من الناتج المحلي الإجمالي، يبقى التحدي الأكبر هو موازنة هذه الجباية مع متطلبات النمو المستدام. إن الإصلاح الضريبي الحقيقي يجب أن يرتكز على التبسيط، والعدالة، والتحفيز، لضمان مستقبل اقتصادي مزدهر لموريتانيا.

محمد لمين الحبيب – خبير محاسبة

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى