أثارت التصريحات الأخيرة المنسوبة إلى وزير الدفاع في الولايات المتحدة جدلاً واسعًا في الأوساط العربية، بعدما جرى تفسيرها على أنها تعيد تعريف مفهوم “الحليف” انطلاقًا من معيار القدرة العسكرية لا من منطلقات الشراكة السياسية أو المصالح المتبادلة. وقد تزامن ذلك مع استمرار الدعم الأمريكي غير المشروط تقريبًا لـإسرائيل في سياق الحرب الدائرة في غزة، الأمر الذي عمّق الشعور لدى قطاعات عربية بأن واشنطن تتبنى “عقيدة قوة” تتجاوز الاعتبارات الإنسانية أو القانونية.
يهدف هذا المقال إلى تحليل هذه الرؤية ضمن إطار استراتيجي تاريخي، مع قراءة انعكاساتها على موقع الدول العربية في النظام الإقليمي، واستشراف الخيارات المتاحة أمامها.
أولاً: من “التحالف التاريخي” إلى “التحالف الوظيفي”
طوال عقود، تأسست العلاقات العربية–الأمريكية على معادلة المصالح المتبادلة: أمن الطاقة، الاستقرار الإقليمي، ومواجهة الخصوم المشتركين. غير أن التحول الراهن يوحي بانتقال واشنطن من مفهوم “الحليف الشريك” إلى مفهوم “الحليف المنتج”، أي الطرف القادر على إسناد الأجندة الأمريكية ميدانيًا.
في هذا السياق، تبدو إسرائيل نموذجًا للحليف الذي يجمع بين التفوق العسكري والجاهزية التنفيذية، بينما تُنظر إلى بعض العواصم العربية بوصفها أطرافًا تميل إلى الوساطة والدعوة للتهدئة. هذا التباين يضعف وزن المقاربة السياسية العربية داخل دوائر صنع القرار الأمريكي.
ثانيًا: القواعد العسكرية بين الحماية والوظيفة الاستراتيجية
انتشرت القواعد الأمريكية في الخليج العربي منذ عقود، في إطار ترتيبات أمنية تهدف – نظريًا – إلى حماية الحلفاء وضمان توازن الردع. غير أن القراءة النقدية ترى أن هذه القواعد تخدم أيضًا أهدافًا استراتيجية أمريكية أوسع: مراقبة الممرات البحرية، احتواء الخصوم الإقليميين، وحماية التفوق الإسرائيلي.
السؤال المحوري هنا: هل تحوّلت هذه القواعد من مظلة أمنية إلى أدوات ضمن هندسة صراع أكبر، قد يُعاد فيه توزيع الأدوار الإقليمية؟ هذا التساؤل يكتسب أهمية خاصة في ظل التوتر بين إيران والولايات المتحدة، حيث تتقاطع المصالح العربية أحيانًا وتتناقض أحيانًا أخرى مع الرؤية الأمريكية.
ثالثًا: البعد التاريخي للصراع الإقليمي
لفهم السياق العميق، لا بد من العودة إلى التاريخ الطويل للمنطقة. فقد شهدت المنطقة العربية قبل الإسلام صراعًا ممتدًا بين الإمبراطورية الرومانية والإمبراطورية الفارسية، حيث توزعت مناطق النفوذ وتداخلت الولاءات. ومع بزوغ الإسلام، تغيّرت المعادلة جذريًا، إذ انتقلت المبادرة إلى الدولة الإسلامية الناشئة التي أعادت تشكيل موازين القوى.
هذا الاستدعاء التاريخي لا يهدف إلى إسقاط مباشر على الحاضر، بل إلى إبراز أن المنطقة كانت دائمًا ساحة توازنات بين قوى كبرى، وأن ضعف الفاعل المحلي غالبًا ما يجعله جزءًا من ترتيبات غيره لا صانعًا لها.
رابعًا: بين “عقيدة القوة” ومفهوم الشرعية
تعكس التصريحات الأمريكية – كما فُهمت عربيًا – تصورًا يربط الشرعية بالقدرة العسكرية، ويمنح الأولوية لمن يملك أدوات التنفيذ الميداني. غير أن هذا المنظور يتجاهل أبعادًا أخرى للشرعية الدولية: القانون الدولي، حماية المدنيين، والاستقرار بعيد المدى.
إن الاقتصار على معيار القوة يخلق مفارقة استراتيجية: فالدول التي تطالب بالتهدئة قد تُفسَّر بوصفها ضعيفة، بينما قد تكون في الواقع أكثر حرصًا على استدامة النظام الإقليمي. وهنا يظهر التوتر بين منطق القوة ومنطق الاستقرار.
خامسًا: التكنولوجيا والقوة وحدود الغرور الحضاري
لا شك أن التفوق التكنولوجي يشكّل عنصرًا مركزيًا في صعود الغرب الحديث. غير أن التاريخ يبيّن أن الغرور بالقوة كان سببًا في سقوط قوى كبرى عبر العصور. من هنا، فإن امتلاك التكنولوجيا لا يعني حتمية التفوق الدائم، بل يرتبط بكيفية توظيفها ضمن منظومة قيمية وأخلاقية.
إن الدرس التاريخي المستفاد هو أن القوة الصلبة تحتاج إلى قوة معنوية ومشروعية أخلاقية حتى تدوم. فالاستعلاء قد يمنح تفوقًا مرحليًا، لكنه لا يضمن الاستقرار طويل الأمد.
سادسًا: الخيارات العربية الممكنة
في ضوء هذه التحولات، تبرز أمام الدول العربية ثلاثة مسارات رئيسية:
1. تعزيز الاستقلالية الاستراتيجية عبر تنويع الشراكات الدولية دون قطيعة شاملة مع واشنطن.
2. بناء قوة ذاتية عسكرية وتكنولوجية تقلل من الاعتماد الأحادي على المظلة الخارجية.
3. الاستثمار في التوازن الإقليمي من خلال مقاربات تخفف الاستقطاب بين المحاور بدل الانخراط في صراعات وكالة.
التحول نحو “محور الشرق” – سواء مع الصين أو روسيا – قد يبدو خيارًا جذابًا للبعض، لكنه لا يعفي من معضلة الاعتماد، إذ إن أي شراكة غير متكافئة تعيد إنتاج المشكلة ذاتها.
خاتمة
تكشف التطورات الأخيرة عن تحول في تعريف الحليف داخل الاستراتيجية الأمريكية، من شريك سياسي إلى فاعل عسكري وظيفي. غير أن القراءة المتأنية للتاريخ تُظهر أن التحالفات القائمة على القوة وحدها نادرًا ما تكون مستقرة أو دائمة.
يبقى التحدي أمام الدول العربية هو الانتقال من موقع “المتلقي للسياسات” إلى موقع “صانع التوازنات”، عبر بناء قوة شاملة: عسكرية، تكنولوجية، اقتصادية، وأخلاقية. فالعبرة ليست في استبدال تبعية بأخرى، بل في امتلاك القدرة على اتخاذ القرار المستقل ضمن نظام دولي متغير.






