sliderالمبتدأ

صراع العلمانيين والإخوان المسلمين.. الحلقة الأولى: طبيعة الصراع، أطرافه وأبعاده

بقلم: الأستاذ أحمد ولد سيدي محمد ولد ميني

يحتل المسرح السياسي صراع بين العلمانيين ومن لف لفهم من جهة، والإخوان المسلمين ومن لف لفهم من جهة أخرى. وقد بات هذا الصراع يفرض نفسه بطريقة تلغي إمكانية تجاهله أو التغاضي عنه، لجملة من الأسباب، منها: الزخم المتصاعد الذي بدأ الصراع يأخذه في الساحة السياسية والاجتماعية.

ولأن بقاءه ملتبسًا وغير واضح في طبيعته وأسبابه وأبعاده، وأطرافه حتى – بعض هؤلاء لا يبدو طرفًا بشكل مباشر وجلي – يحمل كثيرًا من الأخطار التي قد تجر البعض إلى الاصطفاف والتموقع الخاطئين في هذا الصراع.

كما قد يجر بقاءه مبهمًا إلى خطر من نوع آخر، قد يؤدي في النهاية إلى أن يتحول إلى صراع قبلي، مبتعدًا عن مساره الأصلي وسياقه الطبيعي.

لهذه الأسباب، فقد بات ملحًّا تسليط الضوء على جوانب من هذا الصراع، لعل ذلك يكون مساهمة في محاولة للإجابة على أسئلة من قبيل: ما طبيعة هذا الصراع الذي شب فتيله مؤخرًا؟ وما أطرافه وأبعاده؟

ربما يكون من البديهي القول إن هذا الصراع سياسي أيديولوجي بامتياز. لا يحتاج الأمر إلى برهان، وإذا لم يكن كذلك، فانظر مليًّا لترى كيف يخلو من أي من العوامل التي تؤدي عادة إلى الصراعات القبلية: لا نزاع على الأرض، لا شريعة على المال، لا هجاء أو سباب، ولا وقوع في أعراض القبيلة التي ينتمي إليها أي من الطرفين المباشرين للصراع. لا نقاش، لا سباق للخيل أو الجمال، ولا احتكاك لشباب القبيلتين عند بعض المناسبات، مما يمكن أن يكون وقودًا للصراع.

هذا الصراع يتعلق بالأموال التي كان للإخوان المسلمين دور بارز في جمعها تضامنًا ومؤازرة لأهل غزة المنكوبة. صراع حول مبدأ جمعها أصلًا، وحول مبدأ مؤازرة أهل غزة وفلسطين. فهو بكل بساطة صراع سياسي.

مثل هذه الصراعات السياسية، يذهب “برهان غليون” في كتابه المسألة الطائفية ومشكلة الأقليات (الصراعات الحزبية والنقابية)، إلى أنها تميز المجتمعات المستقرة، ويسميها انقسامات أفقية، عكس الانقسامات العمودية (القبلية والطائفية…).

التنظيم العالمي للإخوان المسلمين، بما في ذلك فرعه المحلي في موريتانيا، هو طرف الصراع الرئيسي في مواجهة الطرف الآخر، ومن نافلة القول عندها أن حماس جزء من هذا الطرف.

أما الحديث عن الطرف الآخر بأقسامه ومستوياته المختلفة، فلا يمكن أن يمر دون أن نتهم بالوقوع في نظرية المؤامرة التي تحدث عنها ياسين الحافظ في كتابه الهزيمة والأيديولوجيا المهزومة.

وبالرغم من ذلك، فلا مفر من اعتبار الموساد أو الكيان الصهيوني، وأمريكا ممثلة في جهاز مخابراتها، والإمارات بيافطتها المشتركة مع أطراف أخرى – أقصد الديانة الإبراهيمية – هي كذلك طرف، وكذلك دول أخرى في الخليج، منها من باتت تخوض منذ سنوات حربًا شرسة ضد صنيعتها المالية والسياسية: الإخوان المسلمين، وأيضًا فرنسا بمخابراتها، وهي صاحبة النفوذ الأقوى في المنطقة، هي أيضًا طرف لا محالة، والمخابرات الروسية مجسدة في “فاغنر” ترصد وتراقب، والأجهزة المخابراتية للجارتين الشماليتين دون شك معنية، والنظام القائم عندنا لا شك يهتم، ولا يمكن إلا أن يكون كذلك.

كل هذه الجهات، على تعددها وتنوعها واختلافها، معنية بالصراع الدائر بين من يمكن تسميتهم – ولو بشيء من التجوز – علمانيين، ومن يمكن تسميتهم إخوانًا مسلمين أو إسلاميين، بكل ما تعني كلمة “معنيين” من معنى، بمعنى أنهم هم من يغذونه ويوجهونه، وفي النهاية هم من يخططون لمآلاته ويرتبون عليه ما يشاؤون من نتائج.

وإلا فكيف لكل هذه الجهات أن تغض الطرف عن الإخوان المسلمين وهم يجمعون هذه الأموال الطائلة من أجل صمود أهل غزة؟ من يضمن ألا يصل جزء من هذه الأموال إلى تنظيمات مسلحة وغير مسلحة تنشط في المنطقة كالسلفية الجهادية والقاعدة؟ مع العلم أن تيار الإخوان المسلمين هو الرافد الأساسي الذي انبثقت منه تنظيمات السلفية الجهادية والقاعدة، إما عن طريق النقلة أو الطفرة أو من خلال النشوء والارتقاء. هذه نظريات فلسفية تحاول تفسير نشأة الكون تفسيرًا فلسفيًا، ويمكن استحضارها هنا من أجل تفسير تاريخي لنشأة السلفية الجهادية والقاعدة.

كل هذه الجهات التي تم الحديث مفصلًا عنها هي طرف موحد، رغم تمايزها واختلاف دوافعها الموحدة في الجوهر، وتنوع أساليبها، هي في النهاية طرف واحد وموحد في وجه التنظيم العالمي للإخوان المسلمين. هذان هما قطبا الصراع، وهم من يقف وراءه.

قبل أن نبتعد عن ملف المال القذر، والذي يعد البعض من ضمنه الأموال التي جُمعت لدعم مقاومة أهل غزة أو جُمعت لهم بدوافع إنسانية تلبية لنداء الواجب الديني والأخلاقي، فهذه الأموال ليست وحدها التي تروج في البلد، تاركة آثارها السلبية على كل القطاعات الحيوية: السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية.

يا إلهي! هنالك أيضًا الأموال الوسخة المتدفقة من المخدرات وتبييض الأموال. أوروبا، ممثلة في فرنسا وبلجيكا، بدأت تنتبه لذلك، في تزامن غريب مع إثارة ملف أموال غزة وتفكيك شبكات متاجرة بالمخدرات محليًا.

هناك أيضًا المال السياسي الذي كان يتدفق قبل سنوات من الخليج، لابسًا ثوب العمل الخيري أحيانًا. ولو أنصف الدهر، لكان أهل موريتانيا في غنى عن كل ذلك، لأن ثرواتهم وأرضهم تكفيهم!

هذه طبيعة الصراع الثنائي متعدد الأطراف، وهذان طرفاه المباشران، ولا شك أن من بين من يدخلونه من يتعرض للتغرير والدجل، لكن في الحالة التي بين أيدينا، فإن الطرفين اللذين شكلا رأس الرمح في الصراع، دخلاه بكل وعي وصحوة، نظرًا لمعرفة خلفية الأفراد الذين شكلوا رأس الرمح في الصراع ودوافعهم.

السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: كيف ولماذا تم تحويل الصراع من صراع سياسي، جلي واضح المعالم، إلى صراع قبلي ملتبس وعبثي؟

يتواصل.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى