sliderالأخبار

من شيخٍ أفنى عمره في خدمة هذا البلد إلى الرئيس غزوان

السيد الرئيس،

إن بلدكم، موريتانيا، بلد جميل، واسع، وغني، لديه من الثروات المتنوعة ما يغنيه عن الفقر، وعن الالتجاء إلى مدّ اليد واستجداء أي قوة أو أي جهة في العالم. إنه بلد يسع الجميع، ويمثل مكانًا مثاليًا يتميز بخصائص يندر اجتماعها في دولة واحدة أو إقليم واحد.

فلدينا خمسة قطاعات من الثروة الوطنية:
أولاً: الثروة الحيوانية.
ثانياً: الثروة السمكية.
ثالثاً: الثروة المعدنية.
رابعاً: الثروة النفطية والغازية والمعادن النادرة.
خامساً: الثروة الزراعية، إذا استُغِلَّت الأراضي الصالحة للزراعة، والتي تستطيع أن تحولنا إلى مصدرين للحبوب والبقول، لا مستوردين كما هو الحال اليوم.

إن هذه القطاعات، بإمكان كل واحد منها، إذا توفر لنا الوعي والبرمجة والتخطيط، وتم استغلاله بالشكل المناسب، أن يجعلنا على غير ما نحن عليه. ويمكن أن تجعلنا ثرواتنا دولة غنية بمستوى سويسرا أو كوريا الجنوبية أو تايوان.

فبلدنا، سيادة الرئيس، تتوفر فيه من المقومات المادية ما يجعله متميزًا ومثاليًا لحماية شعب يزيد تعداده على شعبنا بعشرات الأضعاف، وحفظه وإسعاده. ولا ينقصنا إلا الحكامة الصالحة المتسمة بالجدية والإخلاص. فإذا توفرت القيادة المناسبة، وتبنت سياسةً لمعالجة الاختلالات البنيوية ورواسب الماضي وسوآته وسيئاته، واتُّبعت سياسة تضمن المشاركة والعدالة للجميع، والمساواة في الفرص وفي توزيع الثروة والناتج الوطني وريع الدولة، وهو عكس ما يجري الآن، وتبنَّت توجهًا يجعل محاربة الفقر أولوية، مع ترشيد الوسائل وتسييرها بشفافية، فإن ما يمكن تحقيقه عظيم، وتكون تلك هي البداية.

لكننا، سيادة الرئيس، بدل أن نرى أملاً في توجه يبشر بخير للبلاد والعباد، ويخطو خطوة في الاتجاه الذي أوضحناه، تفاجأنا بإرهاصات سياسات تسير في اتجاه آخر. إن هناك أمورًا وإجراءات وتدابير وخطوات جعلتنا نضع أيدينا على صدورنا دهشةً وخوفًا مما قد يفضي إليه ما سمعنا وما رأينا.

فماذا يعني التصعيد ضد المناهضين للرق من حركة “إيرا” وغيرها؟
ولماذا يُمنع المحتجون من الاحتجاج السلمي، والمطالبة بحقوقهم، والتعبير عن آرائهم؟
ولماذا هذه الإجراءات المتشددة والمستعجلة والمتجاوزة للمسطرة القضائية ضد البرلمانيتين؟
ولماذا الاعتداء المتكرر على الزعيم برام؟ الذي، إن لم يكن له إلا ما اعترفت له به صناديق الاقتراع، فإنكم، سيدي الرئيس، أولى بتقدير ذلك ووضعه في الحسبان.

إننا، سيدي الرئيس، نعتمد على عقلكم وحصافتكم وحكمتكم وتقديركم السليم للأمور، ونتوجه إليكم وقد بلغت الثمانين من عمري، مستندًا إلى تجربتي الطويلة في التعاطي مع شؤون الوطن. وإذا كنتم لا تعرفون عني الكثير، فاعلموا الآن أن لي ابنًا قضى تحت السلاح وهو يخدم هذا الوطن، اسمه باب أحمد بن التراد، وقد سُمِّيت إحدى دفعات ضباط الجيش باسمه.

إنني، سيدي الرئيس، بسنّي التي ذكرت، وتجربتي، وما أوضحت من دور لي في هذا الوطن، لم أتلقَّ منه إلا الخوف والقلق من استمرار الأمور على هذا النهج. إننا نرى الأمور في موريتانيا تتجه نحو ما لا تُحمد عقباه، وتتجه نحو ما حذرنا منه في عشرات المقالات. إن ارتفاع مستوى التشنج ينذر بالكارثة. فإذا تركتم الأمور تمضي في هذا الاتجاه، ولم تتدخلوا لتلطيف الأجواء وحل بعض العقد، فإننا سنعتبر أنكم قبلتم بحدوث صدام بين المكونات، وهو صدام، لا قدر الله، لن يكون بعده مجال لعلاج أو إصلاح.

سيدي الرئيس، هذا رأيي، وأشهد الله والملائكة والناس أنني لم أتشاور فيه مع أحد، ولم أناقشه مع أحد، ولم يكن دافعي إليه إلا وخز الضمير، والخشية من إثم من يعلم الخير فلا يرشد إليه، أو يرى الشر الممكن اجتنابه فلا يحذر منه.

اللهم فاشهد، وأعن، ووفق.

التراد بن سيدي
نواكشوط – دار النعيم
8 يوليو 2026

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى