الحلقة الأولى : صدمة مؤسسات بريتون وودز
شكل عهد نظام الرئيس معاوية بن الطائع، من خلال تعامله مع مؤسسات “بريتون وودز” صدمة مجتمعية حقيقية طال تأثيرها الواسع جميع مكونات مجتمعنا وأفراده ، ذلك التعامل الذي بدا بإطلاق برنامج التقويم الاقتصادي والمالي وتوج باتفاقيات جاءت متتالية .
كان من نتائج بعض الاتفاقيات التي أبرمت خلال هذه الفترة تخفيض قيمة العملة الوطنية بنسبة 23% . وكان تداعيات هذا الإجراء صادمة في انعكاسه على الأسعار التي ارتفعت صاروخيا معلنة بداية مرحلة من المعاناةالمريرة بالنسبة للطبقة المتوسطة من أصحاب الأجور ، ممن تبخرت القيمة الحقيقة لأجورهم ، ومعاناة مضاعفة للرازحين تحت خط الفقر.
تقضي سياسات المؤسسات المالية الدولية أيضا بالحد من الإكتتاب في الوظيفة العمومية، وانتهاج سياسات تشغيل صارمة ، الأمر الذي سيجد تأثيرا مباشرا في واقع البطالة وارتفاع نسبتها.
كيف سيحتفظ هؤلاء ممن تبخرت القيمة الحقيقة لأجورهم، وأولئك من غالبية المواطنين الساحقة ممن يرزحون في ظل البؤس والمعاناة أو يتعرضون للبطالة القاتلة، أن يحتفظوا بتوازنهم النفسي وتوافقهم الاجتماعي؟
وضع الرئيس معاوية حاصل المبالغ التي در عليه تعامله مع المؤسسات آنفة الذكر تحت تصرف قلة قليلة تتبوأ المناصب الإدارية والسياسية ، فاستحوذت عليها وتطاير فتاتها في عاصفة مدوية استمرت حتى الأيام الأخيرة لنظامه.
هذا الفتات المتطاير في كل اتجاه ، حلال على كل من تفسخ من جميع القيم، وتخلى عن كل مبدأ ومارس النفاق بشكل مبتذل. وبكلمة واحدة ، هو حلال على كل من امتهن وديست كرامته بعد أنتخلى عنها . حرام على كل من بقي سويا حسب الطبيعة أو رفض الممارسات والقيم الدخيلة التي حملها التعامل مع المؤسسات المالية الدولية .
من هنا كان الجنون الجماعي! وللحديث عن الجنون بشكل مطابق ، يجب الابتعاد عن مفهوم الجنون السائد في الأدب، كهذا الذي تحدث عنه الشاعر الكبير “نزار” معتبرا إياه ذروة العقل ، أو ذلك الذي ذكر الأديب الكبير ذائع الصيت “شكسبير” مميزا إياه عن المفهوم الذي نقصد.
في معرض حديثه عن جنون “اللوبيدو” أو الطاقة الحيوية في جسم الإنسان، في روايته التي سماها ببطليها “روميو وجيليت” يقول شكسبير “ايروس مجنون، جنونا غير الجنون المرضي هذا الذي لا يربطه به إلا لفظ جنون”.
الجنون الذي سببت صدمة التعامل مع مؤسسات بريتون وودز، جنون مرضي يصيب الأفراد فيكون فرديا والجماعات فيصبح جماعيا. مستشفى الأمراض العقلية ، ليس المآل الوحيد والدائم لهؤلاء الأفراد المجانين ، إنهم أنواع فمنهم من ينتهي به الأمر نزيلا في المستشفى ، ومنهم من يتربع على عرش الملك أو كرسي الرئاسة ويقود الأمم ، لكن إلى مصائر ووجهات مجنونة: حروب مدمرة وكوارث فظيعة.
يذكر المؤرخون من هؤلاء المجانين ” كاليجولا” إمبراطور روما الذي بلغ به – من بين أمور أخرى –جنونه حد محاولة تعيين حصانه عضوا في مجلس الشيوخ ، ومنهم شارل السادس ملك فرنسا الملقب شارل المجنون الذي عزف عن الاستحمام واعتقد أن جسمه من زجاج ، ومنهم حسب المؤرخين الإسكندر المقدوني ونيرون وجورج الثالث ملك إنجلترا وإيفان الرهيب قيصر روسيا وهتلر ، ويحتمل أن يكون من بينهم – ننتظر حكم التاريخ- “نتنياهو” و ” ترمب” .
هؤلاء أمثلة للمجانين الأفراد ، لكن المفارقة الكبيرة هي ما سيرد على لسان “نيتشه” : «الجنون عند الأفراد أمر قليل وربما نادر ، لكن عند المجموعات والأحزاب والأمم والعصور فالجنون هو القاعدة». الجنون الجماعي هو الأكثر شيوعا من بين أنواع الجنون إنه القاعدة حسب “نيتشه”.ويعرفه البعض بانه «الذهان الجماعي حالة نفسية تصيب مجموعة كبيرة من الناس تجعلهم يفقدون الصلة بالواقع ويصدقون أفكارا أو أوهام غير منطقية فقط لان الجميع من حولهم يصدقونها! ليس جنونا فرديا، بل جنون جماعي منظم، ينتشر كالنار في الهشيم بفعل الخوف أو الإعلام أو الدين أو السياسة أو حتى الموضة » .
لولا خشية الإطالة أوردنا للقارئ الكريم أمثلة كثيرة من حالات الجنون الجماعي التي وقعت في العالم من حولنا.
أصل هذا المرض متلازمة نفسية تنتقل فيها أعراض الاعتقاد الوهامي أو الهلوسات من فرد لأخر ،المتلازمة ذاتها التي يتشاركها أكثر من شخصين ويطلق عليها جنون العائلة أو جنون الكثرة . ويطلق على هذه المتلازمة متلازمة لازيغ – فالري وهما الطبيبان الفرنسيان “شارل لازيغ” و “جان بيير فالري” اللذان أدخلا هذه المتلازمة في الطب الفرنسي في القرن التاسع عشر . ويأتي هذا المرض العاشر في التصنيف الدولي للأمراض. ومن أسبابه الرئيسية ما يعرف بسلوك القطيع ويعني أن يتبع الناس الأغلبية خوفا من العزلة أو الشعور بالرفض. من أسبابه أيضا الضغط والخوف حيث تولد الأزمات والحروب والأوبئة حالات هلع تجعل العقول أقل منطقية. ومن أسبابه كذلك الإعلام والتوجيه لان وسائل الإعلام والقيادات المتطرفة تؤثر في توجيه عواطف الحشود .
هذا عن مرض الجنون الجماعي وذلك عن ظهوره في المجتمع الموريتاني تحت صدمة التعامل مع المؤسسات المالية الدولية. فقد حققت هذه الصدمة ما عجزت عنه الهياكل المدعوة هياكل تهذيب الجماهير في عهد “الرئيس محمد خون ولد هيداله” الذي رفض التعامل مع “مؤسسات المال السام”، وما عجز عنه نظام الحزب الواحد، في عهد “المختار ولد دداه” بقي الناس محتفظون بمبادئهم الى جانب توازنهم وكرامتهم فعذبوا ونكل بهم ولم تنفع معهم تلك الأساليب القمعية ولا وسائل الترغيب والترهيب لإنهم لم يعيشوا بعد تجربة الجنون الجماعي.
ذلك أن نظام معاوية وإن كان من بين الأنظمة العسكرية والمدنية السابقة عليه الذي أعلن الديمقراطية خيارا لممارسة السلطة إلا أن القرائن والممارسات في تعامله مع معارضيه تؤكد زيف هذا الادعاء ونذكر هنا بتعامله فقط مع ثلاثة معارضين على رأسهم المعارض الكبير احمد ولد دداهرجل المرحلة الذي حمل لواء المعارضة ولم يثنه عنها تزوير الانتخابات ولا التنكيل بشخصه من خلال السجن ولا باتباعه السياسيين من خلال العزل والحرمان من الوظائف.
إلى جانب هذا الرجل الذي صمد صمودا أسطوريا، نُذكر برجلي الأعمال “بمب بن سيدي بادي” ، و ” الطالب بوي بن افلواط” أو بالأحرى بمأساتيهما، كان الرجلان ناجحين ، ثريين ، متألقين في عالم المال والأعمال، وبسبب مواقفهما السياسية دفعا كل هذا النجاح والثروة والتألق ثمنا لمواقفهما ، مضافا الى كل ذلك جملة المضايقات التي لم تتوقف إلا بسقوط النظام ، مسكينان مثل “جوب” ! كما يقول المثل الفرنسي.
كان النظام يعول على الجنون الجماعي الذي زرع بذرته وأطلق عدواه في المجتمع، إضافة إلى إطلاق يد أسوء العناصر من مختلف أرجاء البلد وأكثرهم استعدادا للتآمر عليه وعلى أهله ، إطلاق يدهم في الثروة التي حصل عليها مقابل التعامل مع المؤسسات آنفة الذكر ومساعدات الدول المانحة التي دفعت بسخاء نسبي بعد الموافقة على شروطها والاستسلام لسياساتها،
كان يعول على هذا الجنون وهؤلاء الأشرار في إكساب نظامه صفة الخلود والتمسك به دائما وأبدا، وقد أثمرت هذه السياسة فكان الجنون الجماعي ومن مظاهره خطاب “اتلحليح” ، تمجيد الأفراد وتأليههم ، اتباع الطرق السهلة للحصول على المال ومنها التزوير ، استغلال الخطاب الشرائحيللابتزاز ، وتبييض الأموال.
وعندما أدرك راس النظام ومفكريه أن كل هذا لا يضمن فكرة الخلود في السلطة استجاب لنصيحة التطبيع مع الكيان الصهيوني ، فكانت كل هذه السياسات مسامير تدق في نعش النظام وأسبابا في سقوطه. على الأنظمة أن تحذر أول ما تحذر نفسها ! ” فأول ما يجني على المرء اجتهاده”.
بعد ظهور نوبة الجنون الجماعي هذه أو ما أطلق عليه صدمة بريتون وودز ، ظل حال المجتمع مستقرا حتى ظهور الذهب والتعدين الأهلي فكانت نوبة الجنون الثانية وما صاحبها من ظواهر غريبة.
يتواصل …..







