الأمم التي تعرف كيف تصون تراثها هي الأمم التي تعرف كيف تصنع مستقبلها.
فالتهيدين ليس مجرد موروث شفهي تتناقله الألسن، ولا قصائد تُنشَد في المناسبات والمجالس، بل هو وعاءٌ للذاكرة الجماعية، وسجلٌّ حيٌّ لقيم المجتمع الحساني، بما يحمله من معاني الشجاعة، والكرم، والوفاء، ونبل الخصومة، واحترام الكلمة، والاعتزاز بالذات والانتماء. وقد كان، عبر التاريخ، شاهدًا على الأحداث الكبرى، ووسيلةً لتثبيت القيم، وتوجيه المجتمع، وحفظ ذاكرته السياسية والأخلاقية.
ومن أبلغ الشواهد على ذلك ما قاله سدوم بن اجرتو عند رحمه الله وفاة بكار ولد اعمر شيخ ادوعيش، حين كانت الأنظار تتجه إلى الشيخ أ محمد شين رحم الله الجميع ليتحمل مسؤولية قيادة إدوعيش، فقال:
«اشياخت بون بكار
واعلي باب بو لفخار
شورك يا محمد تندار
يجرم الجصل والدين
سوخط واصبر يا الصبار
واعود اعل لسلام احنين
افالنص اعكوبت لخبار
تعكب فيدين التقيين»
فلم يكن هذا القول مجرد رثاءٍ للأمير الراحل، ولا مجرد تهنئةٍ للخلف، بل كان خطابًا عامًا يؤرخ لمرحلة انتقالية، ويُثني على ما عُرف به إدوعيش من انتظام أمر الإمارة، واستقرار أعرافها، وسلاسة انتقال القيادة في إطارٍ من الشرعية الاجتماعية والقبول العام. وهنا تجلت رسالة التهيدين بوصفه لسان المجتمع وضميره؛ لا يكتفي بوصف الحدث، بل يرسخ معاني المسؤولية، ويشد أزر القادة، ويغرس في النفوس قيم الصبر والحكمة والثبات.
ثم يختم سدوم الطلعة بحكمة خالدة في قوله:
«افالنص اعكوبت لخبار
تعكب فيدين التقيين»
أي إن نهاية الأخبار، ومآلات الأحداث، إنما تكون للمتقين، في استلهام بديع لقوله تعالى: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾. وبهذا يرتقي التهيدين من مجرد شعر مناسبات إلى خطاب حضاري يستلهم القرآن الكريم، ويصل بين الواقع والقيم، ويجعل من الكلمة وسيلةً لبناء الوعي وصيانة المجتمع.
إن بناء الأمم لا يقوم على الاقتصاد والسياسة وحدهما، بل يرتكز كذلك على قوة ذاكرتها الثقافية. فحين يُهمَل التراث، تضعف الهوية وتتآكل مقوماتها، وحين يُصان ويُستثمر، يتجدد الوعي بالانتماء، وتترسخ الثقة بالنفس، وتتقوى مناعة المجتمع في مواجهة عوامل التشتت والاغتراب.
وفي موريتانيا، بما تزخر به من روافد ثقافية متعددة تتكامل في إطار هوية وطنية جامعة، يظل التهيدين أحد أبرز روافد هذه الهوية، وجسرًا يربط الأجيال بتاريخها وقيمها، ودليلًا على أن الوحدة الوطنية ليست مجرد مشروع سياسي، بل هي أيضًا مشروع ثقافي وأخلاقي، تُبنى بالذاكرة المشتركة كما تُبنى بالمؤسسات.
ومن هنا، فإن مسؤوليتنا لا تقتصر على حفظ التهيدين في الصدور، بل تمتد إلى توثيقه، وإدماجه في المناهج التعليمية، وتشجيع البحث العلمي حوله، وإفساح المجال له في وسائل الإعلام والفضاءات الثقافية، حتى يظل مصدرًا للإلهام والتربية، ورافدًا من روافد تعزيز الهوية الوطنية.
فالتراث ليس حنينًا إلى الماضي، بل هو رصيدٌ استراتيجي تستثمره الأمم الواعية لبناء مستقبلها. ومن يُحسن صون ذاكرته، يُحسن رسم طريقه إلى الغد، لأن الأمم التي تحفظ تراثها لا تحافظ على ماضيها فحسب، بل تؤسس لمستقبلها على قاعدةٍ راسخة من الهوية والوعي والثقة بالنفس.
محمادو ولد سيدي ولد ديده






