sliderتقاريرثقافة ومجتمع

الحسن محمد أسويلم يقرأ مسار الدولة الموريتانية في كتاب جديد: من شرعية التأسيس إلى اختبار المؤسسات والمواطنة

نواكشوط – الحرية نت : أصدر الكاتب والصحفي الحسن محمد أسويلم، المعروف بمولاي الحسن ولد أسويلم، النسخة الإلكترونية من الجزء الأول من كتابه «موريتانيا: من التأسيس إلى دولة المؤسسات والمواطنة»، مقدمًا قراءة نقدية وإصلاحية لمسار الدولة الموريتانية، تضع في صدارة أسئلتها قدرة المؤسسات على حماية الحقوق، وضمان انتقال السلطة، وتمكين المواطن من الحصول على الخدمة والإنصاف دون الحاجة إلى نفوذ أو وساطة.

ويحمل الجزء الأول عنوانًا فرعيًا هو «قراءة إصلاحية في الدولة والمواطنة»، ويقع في 108 صفحات شاملة الغلافين، موزعة على ثمانية فصول وشهادة شخصية، إلى جانب خاتمة وخطة وطنية مقترحة للإصلاح وملاحق ومراجع. ويتناول المسار السياسي للبلاد منذ استقلالها سنة 1960 حتى انتخابات 2024، مع متابعة وثائق مؤسسية واقتصادية إلى 30 أكتوبر 2026.

وينطلق الكتاب من فكرة محورية مفادها أن استقرار الدولة لا يُقاس بطول بقاء الحاكم، وإنما بمدى احترام القواعد، وإمكان الاعتراض على القرارات، وقدرة صاحب الحق على نيله مهما كان موقعه الاجتماعي. ومن هذا المنطلق، يحاول المؤلف نقل النقاش حول الدولة من تقييم الأشخاص والعهود إلى مساءلة المؤسسات ونتائج عملها في حياة الناس.

ويحرص أسويلم، في تقديمه للعمل، على الفصل بين الوقائع الموثقة والتحليل والمقترحات، موضحًا أن ما يعرضه ليس حكمًا نهائيًا على تاريخ موريتانيا، بل مساهمة في فهم تجربتها وتطوير مؤسساتها. كما يختتم فصوله بمواقف شخصية معلنة، تتيح للقارئ التمييز بين المادة المرجعية واجتهاد الكاتب.

ويستهل المؤلف قراءته باستعراض تجربة الرئيس المؤسس المختار ولد داداه، مستحضرًا تحديات بناء الدولة وانتزاع الاعتراف بها، وإنشاء الإدارة الوطنية، واعتماد الأوقية وتأسيس البنك المركزي، ثم تأميم شركة «ميفرما». ويعرض هذه الخطوات باعتبارها محطات في بناء السيادة السياسية والاقتصادية، لكنه يقرن الاعتراف بقيمتها بمساءلة حدود التجربة السياسية التي جرت في ظل الحزب الواحد وغياب المنافسة التعددية.

وفي تناوله لتلك المرحلة، يتوقف عند الأزمات اللغوية والتعليمية وما كشفته من صعوبات في إدارة التنوع وتوزيع الفرص. ويذهب إلى أن السياسة اللغوية تتجاوز بعدها الثقافي والرمزي، لأنها تؤثر في التعليم والتوظيف والوصول إلى الإدارة؛ ولذلك تحتاج، في تقديره، إلى التشاور والتدرج وإعداد المدرسين والمناهج، وضمان ألا تتحول إلى مصدر إقصاء أو انقسام.

Screenshot

ويتتبع الكتاب بعد ذلك الانقلابات والتحولات التي عرفتها البلاد منذ 1978، مرورًا بعهد معاوية ولد سيدي أحمد الطايع، والانتقال الذي أعقب انقلاب 2005، وانتخاب سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله، ثم انقلاب 2008 ورئاسة محمد ولد عبد العزيز، وصولًا إلى انتقال السلطة سنة 2019 وانتخابات 2024.

ويعرض المؤلف هذه المراحل وفق معيار يميز بين كيفية الوصول إلى الحكم، وشروط ممارسة السلطة، وما تحقق خلالها من خدمات وحقوق. فهو لا يعتبر الخلفية المدنية ضمانًا تلقائيًا للديمقراطية، ولا يجعل الخلفية العسكرية حكمًا مسبقًا على جميع السياسات، لكنه يرفض أن تمحو الانتخابات اللاحقة واقعة الاستيلاء على السلطة بالقوة.

ويضع أسويلم الانقلابات في مقدمة العوامل التي عطلت تراكم القواعد المؤسسية، معتبرًا أنها رسخت إمكانية تجاوز الناخب في الوصول إلى الحكم. كما يرى في تحديد المأموريات الرئاسية إحدى أهم ضمانات التداول، وفي انتقال 2019 فرصة تستوجب التحصين بإبعاد المؤسسة العسكرية عن التنافس السياسي، وحماية النظام الدستوري، وتعزيز الثقة في الانتخابات.

ويتناول العمل كذلك الانتهاكات المرتبطة بأحداث نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات، ويؤكد أن معالجة الإرث الإنساني لا تكتمل بالعودة وحدها، بل تستدعي كشف الحقيقة، وإنصاف المتضررين، وتسوية الحقوق والوثائق، وضمان عدم التكرار. وفي المقابل، يرفض تحميل جماعة عرقية أو المؤسسة العسكرية كلها مسؤولية جماعية عن أفعال ينبغي تحديد أصحابها ومسؤولياتهم.

ومن التاريخ السياسي ينتقل الكتاب إلى الإدارة اليومية، حيث يجعل طلب بطاقة التعريف مثالًا على الفارق بين وجود إجراء معلن ووجود خدمة يستطيع المواطن توقع موعدها ومتابعة مسارها. فمعرفة الوثائق المطلوبة والرسوم والجهة المختصة، وفق طرحه، ينبغي أن تقترن بأجل واضح، وإثبات للإيداع، وتفسير للتأخير، وطريق فعلي للتظلم.

وفي هذا السياق، يدعو إلى إدارة مهنية تحفظ الخبرة والأرشيف والالتزامات عند تغير المسؤولين، وتميز بين الوظائف السياسية والمهام الفنية التي تحتاج إلى الاستمرارية. كما يربط نجاح اللامركزية بتوفير الموارد والكفاءات والرقابة، حتى لا تتحول إلى نقل للمسؤوليات نحو البلديات والجهات دون تمكينها من وسائل التنفيذ.

ويعالج الكتاب الرقمنة باعتبارها فرصة لإصلاح الإجراءات نفسها، محذرًا من الاكتفاء بنقل التعقيد الإداري إلى شاشة إلكترونية. ويقترح مراجعة المعلومات المطلوبة من المواطن، وتمكينه من معرفة حالة طلبه وتصحيح الأخطاء، مع حماية بياناته والإبقاء على بدائل لمن لا يملكون الأجهزة أو الاتصال بالإنترنت.

أما في مكافحة الفساد، فيركز على الوقاية من تضارب المصالح، والإفصاح، وحماية المبلغين، وشفافية العقود والتوظيف والامتيازات، إلى جانب التحقيق والمحاسبة وضمان حق الدفاع. ويشدد على أن تطبيق المعايير على الحليف والخصم معًا هو ما يمنح المساءلة مصداقيتها.

ويخصص المؤلف فصلًا للهيئات الدستورية والرقابية، يناقش فيه أدوار المجلس الدستوري والمجلس الأعلى للقضاء ومحكمة الحسابات والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي والمجلس الأعلى للفتوى والمظالم واللجنة الوطنية لحقوق الإنسان، مع التمييز بين اختصاصات الرقابة والاستشارة والوساطة والفصل القضائي.

وتقوم قراءته لهذا المجال على أن كثرة الهيئات لا تعني بالضرورة قوة الحماية؛ إذ قد يجد المواطن نفسه متنقلًا بينها دون معرفة الجهة المسؤولة عن قضيته. ولذلك يدعو إلى توضيح الاختصاصات ومسارات الإحالة، وإلى قياس أداء المؤسسات بما تنفذه من قرارات وما تصححه من اختلالات، بدل الاكتفاء بعدد اجتماعاتها أو حجم إنفاقها.

وتحظى اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان بمساحة خاصة، يستعرض فيها مسار اعتمادها الدولي، ويؤكد أن التصنيف المؤسسي لا يمثل شهادة بخلو البلاد من الانتهاكات. ويربط قيمة الاعتماد بنشر تقارير الرصد في آجالها، وتيسير الشكاوى، والوصول إلى سكان الداخل، ومتابعة التوصيات حتى تتضح نتائجها.

وفي فصل الإعلام والأحزاب والمجتمع المدني، يعالج الكتاب الشروط التي تجعل التعددية أداة رقابة فعلية. ويناقش استقلال التحرير، وملكية وسائل الإعلام وتمويلها، وتوزيع الإعلانات العمومية، والدعم الموجه إلى الصحافة الخاصة، معتبرًا أن استقلال المؤسسة الإعلامية يتأثر بقدرتها على الاستمرار دون ارتهان لممول واحد.

ويدعو المؤلف إلى معايير معلنة وقابلة للمراجعة في توزيع الإعلانات والدعم، وإلى الإفصاح عن المصالح المؤثرة في وسائل الإعلام، والفصل بين القرار التحريري والمصلحة التجارية. كما يبرز دور الصحافة في تفسير الوثائق والميزانيات والقرارات، وتوضيح ما تثبته المعلومات وما لا تسمح بالجزم به.

ويطبق المنطق نفسه على الأحزاب والنقابات والجمعيات، مطالبًا ببرامج قابلة للتنفيذ، وتمويل شفاف، ومحاسبة داخلية، ومتابعة للالتزامات. ويؤكد أن حقوق المعارضة في التنظيم والتعبير لا تتوقف على قوة بدائلها، كما أن امتلاك الأغلبية سلطة القرار يرتب عليها مسؤولية أكبر في إتاحة المعلومات وتبرير الاختيارات.

وفي تناوله للتنوع الاجتماعي، يرفض الكتاب اختزال المجتمع في كتل مغلقة أو التعامل مع الانتماءات باعتبارها أساسًا لتوزيع الحقوق. ويميز بين التضامن الأسري والقبلي المشروع، وبين توظيف الروابط الاجتماعية في التعيين أو الحماية من المحاسبة أو منح الخدمات مقابل الولاء.

ويرى أسويلم أن مواجهة آثار الرق والتمييز تتطلب الجمع بين إنفاذ القانون والتمكين الاجتماعي والاقتصادي، لأن العقوبة وحدها لا تكفي إذا بقي المتضرر محرومًا من الوثائق والتعليم والعمل. ويجعل الوثيقة المدنية والمدرسة والوظيفة العمومية ثلاثة ميادين أساسية لاختبار المساواة، إلى جانب معالجة الفوارق بين العاصمة والداخل، وإزالة العوائق أمام مشاركة النساء والشباب.

وعلى المستوى الإقليمي، يربط الكتاب حماية السيادة بجيش محترف ومؤسسات عادلة ودبلوماسية متوازنة، مستعرضًا المخاطر المرتبطة باضطراب مالي، ونشاط الجماعات المسلحة، والنزوح والتهريب، فضلًا عن التوترات المحيطة بنزاع الصحراء الغربية والعلاقات مع دول الجوار.

ويؤكد أن الاستجابة الأمنية تحتاج إلى مراعاة حياة سكان الحدود وحركة التجارة والرعي، ودعم المجتمعات المضيفة للاجئين، والتمييز بين المدنيين والجماعات المسلحة. كما يذهب إلى أن ثقة المواطن في الأجهزة الأمنية جزء من قوة الدولة، وأن حماية الحدود ينبغي أن تقترن بحماية الحقوق وضبط استعمال القوة والتحقيق في التجاوزات.

وفي ملف الثروات الوطنية، يناقش المؤلف الحديد والذهب والنحاس والغاز والصيد والثروة الحيوانية، محذرًا من الخلط بين حجم الموارد الطبيعية، والإنتاج التجاري، ومبيعات الشركات، وما يصل فعليًا إلى الخزينة. ويضع السؤال المتعلق بكيفية تحول الثروة إلى خدمات وفرص عمل وحماية اجتماعية في صلب تقييم السياسات الاقتصادية.

ويعتبر الغاز اختبارًا مهمًا لقدرة الدولة على إدارة الموارد، داعيًا إلى نشر العقود، والكشف عن المالكين الحقيقيين للشركات، وتطوير القدرة التفاوضية، ووضع قواعد مالية تمنع بناء التزامات دائمة على إيرادات استثنائية. كما يربط الاستفادة الوطنية بنقل المهارات والمشتريات المحلية وحماية البيئة، لا بحجم العائد المالي وحده.

ويمتد هذا المنظور إلى الصيد والمناجم، حيث يناقش استدامة المخزون السمكي، ومصالح العاملين في الصيد التقليدي والمعالجة والنقل، وحقوق المجتمعات المحيطة بالمناجم، وكلفة إعادة تأهيل المواقع بعد انتهاء الاستغلال.

ويختتم الفصول الموضوعية بمناقشة العدالة الاجتماعية والوصول إلى القضاء، متوقفًا عند برامج الدعم والسجل الاجتماعي والتعليم والصحة والعمل والمساعدة القضائية. ويرى أن الإعلان عن مجانية خدمة أو شمول برنامج لا يكفي للحكم على أثره، ما لم تُفحص كلفة الوصول إليه، ودقة الاستهداف، وانتظام الاستفادة، وإمكانية الاعتراض على الاستبعاد.

وفي التعليم، يوجه الانتباه إلى التعلم الفعلي والاستمرار في الدراسة، وفي الصحة إلى كلفة الدواء والتحاليل والنقل والانتظار، وفي القضاء إلى أتعاب الدفاع والمسافة واللغة والوثائق وزمن التقاضي وتنفيذ الأحكام. ويؤكد أن الحق يفقد جانبًا من قيمته حين يعجز صاحبه عن المطالبة به، أو حين يبقى الحكم الصادر لصالحه دون تنفيذ.

ويضم الكتاب شهادة شخصية عن تجربة المؤلف عضوًا في اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان، ممثلًا للعمال، بين أكتوبر 2022 وأغسطس 2026. ويستخلص منها دروسًا تتصل بثقة المحتجزين في المؤسسات الحقوقية، وسرعة التدخل، ونشر التقارير ومتابعة التوصيات، مستحضرًا ملفات من بينها وفاة ناشط في مفوضية بدار النعيم، والتعامل مع وضع الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز في الاحتجاز، ووفيات موقوفين في كيهيدي عقب احتجاجات انتخابات 2024.

كما يسجل تقديره لتجربته في العمل مع الرئيس السابق للجنة أحمد سالم ولد بوحبيني وأمينها العام الدكتور محمد ولد إبراهيم، مع تأكيده أن هذه الشهادة تعبر عن انطباعه وتجربته، ولا تمثل موقفًا رسميًا للجنة أو رواية شاملة لتاريخها.

وينتهي العمل بخطة إصلاحية مقترحة تقوم على اختيار مشكلات محددة وقابلة للمعالجة، وتعيين الجهات المسؤولة عنها، وتقدير كلفتها، ووضع آجال ومقاييس معلنة للنتائج. ومن أمثلتها تحسين خدمات الوثائق المدنية والمساعدة القضائية، ومتابعة توصيات محكمة الحسابات، والإفصاح عن عائدات الموارد.

وبذلك يربط أسويلم استكمال مشروع الدولة بقدرتها على حفظ ما تحقق وتصحيح الأخطاء، ويجعل معيار نجاحها حصول المواطن الذي لا يملك مالًا أو نفوذًا على حقه، واستمرار هذه القدرة مهما تغير الحكام.

والحسن محمد أسويلم كاتب وصحفي موريتاني ومدير ناشر لصحيفة «الديمقراطية»، وله تجربة في العمل البلدي والنقابي والحقوقي. ويقدم هذا الجزء بوصفه بداية لعمل متعدد الأجزاء، يجمع بين قراءة المصادر وشهادة التجربة، ويفتح مقترحاته للنقاش والمراجعة.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى