sliderالمبتدأ

رؤية 2060.. تنمية عابرة للأجيال أم ترحيل لأحلام الحاضر؟

ليس من العيب أن تفكر الدولة في عام 2060، ولا أن تضع لنفسها أهدافا تتجاوز أعمار الحكومات ومأموريات الرؤساء. فالدول لا تُبنى بمنطق اليوم وحده، والتنمية الحقيقية تحتاج إلى رؤية تتراكم نتائجها عبر الأجيال.

لكن السؤال الذي يستحق النقاش هو: هل نحتاج إلى خطة تنموية تمتد إلى أربعة وثلاثين عاما، أم إلى رؤية استراتيجية بعيدة المدى، تُترجم إلى خطط قابلة للتنفيذ والقياس والمراجعة؟

في العالم نماذج كثيرة للتخطيط البعيد؛ فهناك رؤى تنموية تمتد إلى 2050، كما في رواندا، وهناك خطط وطنية تتوزع على مراحل خمسية، بحيث تحدد الرؤية الكبرى الاتجاه، بينما تتولى الحكومات المتعاقبة تنفيذ أهداف محددة، ومراجعة ما تحقق منها. وقد رصدت دراسات دولية هذا النمط، الذي يجمع بين الرؤية الطويلة والبرامج التنفيذية الأقصر.

إذن، لا توجد مشكلة في أن نخطط لثلاثة وثلاثين أو أربعة وثلاثين عاما، بل إن بعض التحديات، مثل إصلاح التعليم، وتنويع الاقتصاد، وتطوير البنية التحتية، والتكيف مع التغيرات المناخية، لا يمكن التعامل معها بمنطق الحلول السريعة.

لكن ثمة فارقا جوهريا بين أن تضع الدولة تصورا لمستقبلها بعد ثلاثة عقود، وأن تقدم للمواطن برنامجا تنفيذيا يمتد إلى تلك المدة، وكأن الحكومات تستطيع أن تحجز لنفسها ولخلفائها الظروف والموارد والنتائج حتى ذلك التاريخ.

الرؤية الاستراتيجية ليست شيكا على بياض.

فالتخطيط الناجح يبدأ بتشخيص دقيق للواقع، وتحديد الأولويات، وتقدير الموارد، ثم وضع أهداف قابلة للقياس، وتوزيعها على مراحل زمنية، مع نشر تقارير دورية عن الإنجاز والتعثر. والأهم أن تكون هناك مؤسسات تضمن استمرارية المشروع، لا مجرد أسماء وشعارات تتغير بتغير المسؤولين.

وفي حالتنا، يزداد هذا النقاش أهمية حين نتذكر أن موريتانيا ليست بلدا يفتقر إلى الخطط والرؤى؛ فقد اعتمدت استراتيجية النمو المتسارع والرفاه المشترك، المعروفة اختصارا بـSCAPP، بأفق 2030، وتوزعت على خطط عمل متعاقبة. كما وضع البنك الدولي إطار شراكته مع موريتانيا للفترة 2026-2030.

فما الذي ستضيفه رؤية 2060 إلى ما سبق؟ هل ستكون امتدادا علميا لما أُنجز، وتصحيحا لما تعثر، أم بداية جديدة تعيد صياغة العناوين وتترك الأسئلة القديمة دون إجابة؟

وهنا تبرز مسألة التمويل. فالحديث عن تعبئة ميزانيات كبيرة لا يكفي وحده لإقناع الرأي العام بجدوى أي مشروع. إذ ينبغي أن يعرف المواطن حجم التمويلات المرصودة فعليا، ومصادرها، وما تم صرفه، وما يقابل ذلك من منشآت وخدمات وفرص عمل وتحسن في مستوى المعيشة.

فالميزانية ليست إنجازا، والتعهد بالتمويل ليس تنمية، كما أن الإعلان عن مشروع لا يعني بالضرورة دخوله حيز التنفيذ. المعيار هو ما يظهر في حياة الناس، وما يمكن التحقق منه بالأرقام والنتائج.

ومن حق المواطن، الذي يواجه اليوم غلاء المعيشة، وصعوبات التعليم والصحة، والبطالة، وضعف الخدمات الأساسية، أن يسأل عن نصيبه من هذه الرؤية البعيدة. فليس مطلوبا منه أن يختار بين المستقبل والحاضر؛ لأن التنمية التي لا تحسن حياة الناس اليوم، ولا تفتح أمامهم أفقا أفضل غدا، تظل ناقصة مهما اتسعت سنواتها.

أما المفارقة التي تستحق التأمل، فهي أن بعض من سيضعون أسس رؤية 2060 قد لا يكونون في مواقع المسؤولية حين يحين موعد تقييمها، وأن جيلا كاملا من الموظفين الذين وُلدوا سنة 1997 قد يكون بلغ سن التقاعد قبل اكتمال أفقها.

وهذا تحديدا ما يجعل التخطيط الطويل محتاجا إلى مؤسسات قوية، ورقابة مستقلة، ومحاسبة دورية، وتوافق وطني يحميه من أن يتحول إلى مشروع مرتبط بأشخاص أو حكومات.

نحن لا نعترض على أن تكون لموريتانيا رؤية في 2060، بل نريد أن نعرف ماذا ستفعل في 2027 و2030 و2035. نريد أن نرى محطات واضحة، وأهدافا معلنة، وحسابا دوريا للمال العام، ومؤشرات يستطيع المواطن أن يحكم بها على ما تحقق.

فلا بأس أن نخطط لموريتانيا بعد أربعة وثلاثين عاما، لكن ينبغي ألا نطلب من موريتانيي اليوم أن يعيشوا على وعود موريتانيي الغد.

إن المستقبل لا يُبنى بتأجيل الحاضر، وإنما بتحويل كل سنة من سنواته إلى خطوة ملموسة في طريق التنمية.

حمادي أباتي

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى