تؤكد التطورات الميدانية الأخيرة بعد انسحاب قوات بعثة الأمم المتحدة (مينورسو) وشبح الحرب المطل ظلاله، أن الجغرافيا والمصالح الاقتصادية لا تخضع للشعارات الدبلوماسية؛ فـ “المبادرة الأطلسية” التي أُعلنت في ديسمبر 2023 ظلت حبرا على ورق لغياب أي اتصال جغرافي واقعي يربط دول الساحل الحبيسة بالمغرب، لتأتي أول أزمة ميدانية في الصحراء وتوجه لها الضربة القاضية، دافعة تلك الدول نحو الممر الطبيعي الآمن عبر نهر السنغال وميناء انجاغو.
1. وحتى قبل اندلاع الأزمة الميدانية الأخيرة، كانت المؤشرات الجيواقتصادية ترجح كفة الممر المائي لنهر السنغال؛ وهو ما تجسد في احتضان نواكشوط يومي 30 و31 يناير الماضي للدورة العادية الـ78 لمجلس وزراء منظمة استثمار نهر السنغال، حيث أقر الوزراء التدشين الفعلي للمرحلة الأولى لمشروع الملاحة النهرية، مع تكليف شركة (SOGENAV) بتنظيم وضع حجر الأساس للأشغال، مدعوما بحزمة تمويلات دولية لتحديث منشآت الحوض وتشييد شريان لوجستي دائم لعمق دول الساحل.
2. تؤكد دراسات الجدوى والتقارير الفنية الصادرة عن البنك الدولي وشركاء التمويل الدوليين أن مشروع الملاحة النهرية يمثل “الثورة الزرقاء” الكفيلة بإنهاء العزلة الهيكلية التي تعاني منها جمهورية مالي وجاراتها من دول الساحل الحبيسة.
وتكمن القوة الاقتصادية لهذا البديل في قدرته المباشرة على خفض تكاليف الشحن العابر للحدود بنسبة تصل إلى 60% مقارنة بالمسارات البرية التقليدية، فضلا عن طاقته الاستيعابية التي تسمح بتدفق أكثر من 10 ملايين طن من البضائع والسلع الاستراتيجية سنويا.
3. ينطلق هذا الممر المائي الاستراتيجي من الواجهة الأطلسية عبر مجرى نهر السنغال ليمتد على مسافة تقارب 905 كيلم، رابطا نقطة الانطلاق البحرية بمحطة الوصول النهائية في بلدة “أمبيديدي” الواقعة بمنطقة “خاي” بغرب مالي. وتعد “أمبيديدي” عصب التفريغ الرئيسي للأسطول النهري، حيث هيئت كميناء جاف ومحطة ربط ذكية تتصل مباشرة بشبكة السكك الحديدية والطرق البرية المتجهة إلى العاصمة باماكو وعمق المنطقة.
4. ولتحويل هذا الممر إلى شريان ملاحي دائم على مدار السنة، تتضمن خطة الأشغال الهندسية حفر قناة الربط المائية بين مجرى النهر وميناء “انجاغو” الاستراتيجي بمدى يتراوح بين 12 و15 كيلومترا، إلى جانب تنفيذ عمليات تجريف واسعة وتعميق لقاع النهر وإزالة الترسبات الرملية على طول المسار نحو مالي، فضلا عن بناء المراسي والأرصفة المجهزة لضمان حركة آمنة ومستمرة للبارجات
__
الخلاصة الوضحة هي أن هذه التحولات الاستراتيجية تثبت حقيقة راسخة؛ وهي أن موقع موريتانيا الجغرافي يمتلك مرونة طبيعية وقدرة فريدة على صياغة التغيير وفرض الخطط البديلة. فمهما سعت المشاريع الإقليمية إلى الالتفاف على دور نواكشوط، تظل الجغرافيا الطبيعية والسيادة الميدانية أوراق ضغط حاسمة تعيد لبلادنا مكانتها كبوابة حصرية وممر إجباري لا يمكن تجاوزه في غرب إفريقيا.
تحياتي
أحمد ولد أمبارك







