“ليس الانحراف في الشارع إلا مرآةً لانحرافٍ أكبر في القمّة؛ فحين تُكافأ الرذيلة ويُقصى الصالحون، تصبح القوانين مجرّدَ ديكورٍ أخلاقيٍّ لا يُخفي العَفَن.”
أخيرًا، اتخذت السلطات قرارًا بإغلاق عددٍ من القاعات التي كانت تُنظَّم فيها حفلاتٌ خاصةٌ مقابل مبالغ مالية، بحجة أنها تُقدِّم الوجبات وتتوفر على تجهيزاتٍ كاملة. كما صدر قرارٌ آخر يمنع عادةَ رمي الأوراق النقدية على المغنّين، وهي ممارسة دخيلة على المجتمع الموريتاني ارتبطت بانتشار مظاهر الترف والفساد خلال السنوات الأخيرة.
وفي السياق ذاته، جرى منع مخيّماتٍ كانت تنتشر على بعض الشوارع وتُباع فيها المشويات والشاي، بعد ورود تقارير عن ممارساتٍ مخالفةٍ للشرع والأخلاق ومضرّةٍ بالصحة تُمارَس داخلها.
ورغم أن هذه الخطوات تُقدَّم كإجراءاتٍ للحدّ من الانحراف الاجتماعي، فإنّ جوهر المشكلة لا يكمن في المظاهر بقدر ما يكمن في منابع الفساد التي أنتجتها. فحين يختلّ ميزان القيم، ويتحوّل المال العام إلى غنيمةٍ يتقاسمها المتنفذون، يصبح من الطبيعي أن تظهر هذه التشوّهات في السلوك والذوق العام.
إنّ المجتمع الذي يرى راقصًا أو مهرّجًا يراكم الثروة ويحصل على الصفقات دون مؤهلاتٍ أو ضوابط، بينما يُقصى العلماء والمربّون وأصحاب الكفاءات، لا بدّ أن يعيش انقلابًا في سُلَّم القيم، وأن يختلّ وعيه الجمعي.
ويُقال إنّ بعض القرارات الأخيرة جاءت تلبيةً لرغبات وسطاء كانوا يديرون دورًا مشبوهة تُنظَّم فيها لقاءاتٌ بين النافذين والمومسات، وقد تراجع نفوذهم ومكاسبهم بسبب ظهور أماكن بديلة تنظّم تلك اللقاءات دون وساطتهم. فإن صحّ ذلك، فنحن أمام معالجةٍ شكليةٍ لمرضٍ عميقٍ سببه واحد: الفساد المنظَّم الذي ينخر أجهزة الدولة والمجتمع.
إنّ من يريد الإصلاح حقًّا، لا يبدأ بمنع رمي النقود على المغنّين، بل يبدأ بتجفيف منابع الفساد الكبرى:
بوقف نهب المال العام، ومنع الوزراء والمديرين من امتلاك القصور والسيارات المتعددة، وإرساء قواعد الشفافية والمساءلة.
فلا يمكن لمجتمعٍ أن يستقيم سلوكه، ما دامت القدوة في قمّته فاسدة، وما دام الفساد يُكافَأ بدل أن يُعاقَب.
وعندها فقط يمكن أن نحلم ببلدٍ نظيفٍ في سلوكه، عادلٍ في فرصه، كريمٍ في قيمه.
نداء وطني
يا أبناء هذا الوطن،
لن يُطهِّر الأرضَ قانونٌ بلا ضمير، ولا خطابٌ بلا صدق، ولا إصلاحٌ بلا إرادة.
ابدؤوا من أنفسكم، قاوموا الفساد في مواقعكم، لا بالتنديد فقط، بل بالقدوة، بالعمل النزيه، بالكلمة الحرة التي لا تُشترى.
ولْيكن شعارنا أن نُصلح ما استطعنا، ولو بصدق النية ورفض الصمت.
فالوطن لا يقوم إلا على أكتاف الشرفاء، ولا ينهض إلا إذا استعاد قيمه التي سُلبت منه باسم الوجاهة والسلطة والمال.





