sliderالمغرب والساحلتقارير

عيد العرش.. ذكرى تتكرر، وعهد يتجدد، وأمة تنهض

كتب: الحامد أحمد جباب

ليست كل المناسبات الوطنية سواء، فبعضها يؤرخ لحدث مضى وانقضى، وبعضها الآخر يظل حياً نابضاً في وجدان الشعوب، يتجدد مع الزمن ولا يشيخ. وعيد العرش المجيد في المغرب من هذا الصنف الأخير؛ مناسبة تتجاوز طقوس الاحتفال السنوي لتتحول إلى لحظة وطنية جامعة، يستحضر فيها المغاربة عمق العلاقة التاريخية التي نسجتها قرون من التلاحم بين العرش والشعب، ويجددون فيها عهد الوفاء لوطن اختار أن يصنع مستقبله بثبات وحكمة.
إنها ذكرى تتكرر في موعدها من كل عام، لكنها لا تحمل المعنى ذاته في كل مرة؛ بل تجدد في معناها ومبناها لأنها تأتي محملة بما تحقق من منجزات، وما استجد من رهانات، وما ترسخ من قناعات لأن بناء الأمم مشروع لا يعرف التوقف، وأن نهضتها لا تُقاس بما أنجزته بالأمس فحسب، بل بما تمتلكه من رؤية وإرادة وقدرة على استشراف المستقبل.
وعلى امتداد تاريخ المغرب الحديث، ظل عيد العرش مناسبة تختزل فلسفة الدولة المغربية القائمة على الاستمرارية والإصلاح والتجديد. فمنذ أن ارتبطت شرعية العرش بوجدان الشعب المغربي، تشكلت معالم نموذج سياسي ومؤسساتي استطاع أن يحافظ على ثوابته الوطنية، وفي الوقت نفسه ينخرط في دينامية التحديث والإصلاح التي تفرضها متغيرات العصر.
وفي زمن تتساقط فيه نماذج عديدة للدول تحت وطأة الأزمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، يواصل المغرب، بقيادة ملكه، ترسيخ اختياراته الكبرى القائمة على التنمية الشاملة، وتعزيز العدالة الاجتماعية، والانفتاح الاقتصادي، وتحصين الوحدة الترابية، وترسيخ مكانته الإقليمية والدولية كشريك موثوق وفاعل مؤثر في محيطه الإفريقي والمتوسطي والدولي.
لقد أثبتت التجربة المغربية أن الاستقرار ليس معطى ثابتاً يُورث للأجيال، وإنما هو مشروع يومي يُبنى بالإصلاح والحوار والعمل الجاد. وما الأوراش الكبرى التي تعرفها المملكة في مجالات البنية التحتية، والطاقات المتجددة، والحماية الاجتماعية، والاستثمار، والعدالة المجالية، إلا ترجمة عملية لرؤية تنموية تجعل من الإنسان المغربي محوراً لكل السياسات العمومية وغايتها النهائية.
كما أن الأقاليم الجنوبية للمملكة تقدم اليوم نموذجاً دالاً على هذا الخيار الاستراتيجي؛ إذ تحولت إلى فضاء تنموي واعد، تتقاطع فيه المشاريع الكبرى مع الطموحات الاقتصادية والاجتماعية، بما يعكس الإرادة الراسخة في جعل التنمية مدخلاً لترسيخ الوحدة الوطنية وتعزيز المكانة الجيوستراتيجية للمغرب باعتباره بوابة نحو عمقه الإفريقي.
وعيد العرش، في جوهره، ليس احتفالاً بمؤسسة دستورية فحسب، بل احتفاء بفكرة الدولة التي استطاعت أن تجعل من التعدد الثقافي مصدر قوة، ومن التلاحم الشعبي ركيزة للاستقرار، ومن الإصلاح خياراً لا رجعة فيه. وهو أيضاً مناسبة لاستحضار المسؤولية الجماعية الملقاة على عاتق الجميع؛ دولةً ومؤسساتٍ ومواطنين، من أجل مواصلة مسيرة البناء وتحويل التحديات إلى فرص للنهوض والتقدم.
إن الأمم العظيمة لا تصنعها الصدف، وإنما تصنعها الإرادات المتبصرة التي تؤمن بأن المستقبل يُبنى بالعمل والتضحية والإخلاص. والمغرب اليوم، وهو يحتفي بعيد العرش المجيد، لا يكتفي باستحضار أمجاد الماضي أو الاحتفاء بإنجازات الحاضر، بل ينظر بثقة إلى المستقبل، مستنداً إلى رصيد تاريخي عريق، ومؤسسات راسخة، وشعب متشبث بقيم الوحدة والتضامن والانتماء.
عيد العرش إذن، ذكرى تتكرر في الزمن، لكنها تتجدد في المعنى والدلالة. هو عهد متواصل بين العرش والشعب، ووعد متجدد بمواصلة مسيرة الإصلاح والتنمية، وشهادة حية على أن الأوطان التي تؤمن بقدرات أبنائها وتمتلك وضوح الرؤية قادرة دائماً على النهوض، مهما تعاظمت التحديات.
فكل عيد عرش، والمغرب يمضي بثقة نحو المستقبل، أكثر قوة بوحدته، وأكثر إشراقاً بطموحات أبنائه، وأكثر رسوخاً في مسيرته التنموية والحضارية. إنه عهد يتجدد، وذكرى تتكرر، وأمة تنهض.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى