ثمة شيء من الوهم في الطريقة التي يُقدَّم بها الصراع بين التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة للرأي العام. فالمشهد يبدو وكأنه مواجهة سياسية كبرى بين مشروعين متنافسين، بينما قد يكون الأمر، في جزء منه، مجرد تنافس انتخابي على استقطاب الانتباه والأصوات، وعلى احتلال المساحة الأكبر في الإعلام والوعي العام.
المشكلة أن هذا الصراع، مهما بلغت حدته، لا يجيب عن السؤال السياسي الأهم: ماذا سيتغير فعلًا بعد الانتخابات؟
هل نحن أمام تناوب سياسي حقيقي؟ هل هناك إمكانية لمحاسبة من تحمل المسؤولية عن الحصيلة السابقة؟ هل يستطيع الناخب أن يعاقب حزبًا فشل في تدبير الشأن العام وأن يمنح ثقته لبديل مختلف في مشروعه ورؤيته؟
أم أننا أمام انتخابات ستعيد، في النهاية، إنتاج الخريطة نفسها تقريبًا، مع تغيير بعض الوجوه والألوان والتحالفات؟
هنا تحديدًا يبدأ السؤال الصعب.
عندما يصبح الحزب مجرد غطاء انتخابي
المشكلة الأعمق في المشهد السياسي ليست فقط في الأحزاب الكبيرة، وإنما في العلاقة التي نشأت بينها وبين جزء من الأعيان والفاعلين المحليين.
فالحزب السياسي يفترض أن يكون مؤسسة لها مشروع وفكر وبرنامج ورؤية للمجتمع. والمرشح يفترض أن يكون حاملًا لهذا المشروع إلى المواطنين.
لكن في بعض الحالات يبدو الأمر معكوسًا.
يأتي فاعل محلي يمتلك المال والشبكة الاجتماعية والعلاقات والنفوذ، ثم يبحث عن الحزب الذي يستطيع من خلاله تحويل هذه القوة المحلية إلى قوة انتخابية ومؤسساتية.
هنا لا يعود الحزب هو الذي يصنع المرشح سياسيًا، وإنما يصبح المرشح، بما يمتلكه من نفوذ، عنصرًا أساسيًا في قدرة الحزب على المنافسة.
وهذه ليست مسألة تفصيلية.
إنها تمس جوهر الديمقراطية الحزبية.
لأن الحزب الذي يحتاج إلى صاحب النفوذ المحلي لكي يضمن مقعدًا انتخابيًا قد يجد نفسه، عاجلًا أو آجلًا، مضطرًا إلى مراعاة مصالح هذا الفاعل أكثر من مراعاة منطقه السياسي وبرنامجه الحزبي.
الأعيان لا يحتاجون إلى الإيديولوجيا
جزء من قوة الأعيان أنهم لا يحتاجون، بالضرورة، إلى إيديولوجيا.
ليس مطلوبًا منهم أن يكونوا يساريين أو يمينيين أو محافظين أو ليبراليين بالمعنى السياسي والفكري.
إنهم يتحركون في فضاء آخر: فضاء العلاقات والمصالح والنفوذ والقدرة على التعبئة المحلية.
ولهذا يمكن للفاعل نفسه أن ينتقل من حزب إلى آخر، وأن يغير موقعه السياسي عندما تتغير الحسابات الانتخابية، من دون أن يشعر بالضرورة بأنه غيّر قناعته الفكرية؛ لأنه، في الأصل، قد لا يكون قد دخل السياسة من باب الفكر.
وهنا يصبح الانتماء الحزبي هشًا.
الحزب بالنسبة إلى بعض هؤلاء ليس مدرسة سياسية، ولا إطارًا لإنتاج الأفكار، ولا مشروعًا لبناء المجتمع؛ وإنما قد يتحول إلى وسيلة للوصول إلى المؤسسة المنتخبة.
وبالمقابل، تصبح الانتخابات بالنسبة إلى الحزب عملية للبحث عن الأشخاص القادرين على جلب المقاعد.
وهكذا يدخل الطرفان في علاقة منفعة متبادلة:
الحزب يمنح الشرعية والرمز الانتخابي، والعين يمنح الشبكة والأصوات والقدرة على المنافسة.
المال ليس مجرد وسيلة… بل يمكن أن يصبح سلطة
حين يدخل المال بقوة إلى الانتخابات، لا يعود مجرد وسيلة للقيام بالحملة الانتخابية.
يمكن أن يتحول إلى سلطة قائمة بذاتها.
فالذي يمتلك الموارد يستطيع أن يحضر أكثر، ويتحرك أكثر، ويبني شبكات أوسع، ويكون أكثر قدرة على التأثير في المجال المحلي.
وهنا تصبح المنافسة غير متكافئة بين من يدخل الانتخابات بفكرة وبرنامج، ومن يدخلها إضافة إلى ذلك بشبكة مصالح وموارد ونفوذ متراكم.
ولا يعني ذلك أن كل مرشح ميسور اشترى أصواتًا، ولا أن كل عين سياسي متورط في ممارسات غير قانونية. لكن تجاهل تأثير المال والنفوذ في الانتخابات سيكون تجاهلًا لجزء أساسي من الواقع السياسي والاجتماعي الذي يحيط بالاقتراع.
الفقر يصنع الوسيط
الأخطر أن هذه الظاهرة تجد بيئة مناسبة في المناطق التي تعاني من الفقر والهشاشة.
فحين يشعر المواطن أن الدولة بعيدة، وأن الإدارة لا تستجيب إلا بعد وساطة، وأن الحصول على بعض الخدمات يحتاج إلى شخص يعرف شخصًا آخر، يصبح صاحب النفوذ المحلي أكثر من مجرد منتخب.
يصبح وسيطًا بين المواطن والدولة.
وهنا تحدث عملية خطيرة جدًا: يتحول الحق إلى منّة، والخدمة العمومية إلى وساطة، والمنتخب إلى وسيط، والناخب إلى شخص ينتظر مقابلًا أو تدخلًا.
وفي هذه اللحظة، لا تعود العلاقة بين المواطن والسياسي علاقة مواطنة وديمقراطية، وإنما علاقة تبعية.
وهذه التبعية أخطر على الديمقراطية من مجرد شراء صوت في يوم الاقتراع؛ لأنها قد تتحول إلى نظام اجتماعي وسياسي كامل لإنتاج الولاءات.
المشكلة ليست في الأعيان وحدهم
ومع ذلك، من الخطأ تحميل الأعيان وحدهم مسؤولية هذا الوضع.
فالأعيان لا يفرضون أنفسهم في الفراغ.
إنهم يصبحون أقوياء عندما تضعف الأحزاب، وعندما تفقد السياسة قدرتها على إنتاج نخب جديدة، وعندما يصبح البرنامج أقل أهمية من القدرة على الفوز.
إذا كان الحزب لا يستطيع إنتاج مرشحين من داخله، ولا يمتلك امتدادًا اجتماعيًا حقيقيًا، ولا يستطيع إقناع الناخبين بمشروعه، فمن الطبيعي أن يبحث عن شخص يمتلك هذه الأدوات.
وهكذا تتحول الأحزاب من مؤسسات لصناعة النخب إلى مؤسسات لاستيعاب النخب الجاهزة.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى.
الحزب الذي يفترض أن يقود المجتمع قد يجد نفسه تابعًا لمن يستطيع أن يجلب له الأصوات.
أين اختفت السياسة؟
وسط كل هذا، تضيع السياسة الحقيقية.
أين النقاش حول المدرسة العمومية؟
أين النقاش حول الصحة؟
أين النقاش حول البطالة؟
أين النقاش حول الفوارق الاجتماعية والمجالية؟
أين النقاش حول مستقبل الطبقة الوسطى؟
أين النقاش حول علاقة المركز بالمجال؟
وأين النقاش حول نموذج التنمية والعدالة الاجتماعية وتوزيع الثروة والفرص؟
بدل ذلك، يمتلئ الفضاء السياسي بصراع حول المواقع والمراتب والقيادات والتحالفات، وكأن الانتخابات أصبحت بطولة يتنافس فيها السياسيون على من يحتل المركز الأول.
لكن الديمقراطية ليست سباقًا رياضيًا.
المرتبة الأولى لا تعني شيئًا إذا لم تكن وراءها سياسة مختلفة.
السؤال الذي يجب طرحه قبل الانتخابات
لهذا، ربما ينبغي أن نخرج من السؤال السهل: من سيفوز؟
ونطرح السؤال الأصعب: من سيحكم فعلًا؟
هل ستظل الأحزاب هي صاحبة القرار؟
أم ستتوسع سلطة شبكات الأعيان والفاعلين المحليين؟
هل سيصبح البرنامج الانتخابي هو أساس الاختيار؟
أم ستظل الشخصية والنفوذ والمال والعلاقات أكثر تأثيرًا؟
هل سيتمكن المواطن من معاقبة المسؤول السياسي؟
أم أن النظام الانتخابي سيعيد تدوير النخب نفسها؟
وهل يمكن أن نتحدث عن تناوب حقيقي إذا كان تغيير الحزب لا يؤدي بالضرورة إلى تغيير النخب المحلية التي تصنع جزءًا من الخريطة الانتخابية؟
ليست المشكلة من يحتل الصف الأول
قد يكون الخطأ الأكبر هو اختزال الانتخابات في سؤال: من سيأتي أولًا؟
فحتى لو تغير الحزب الذي يحتل المرتبة الأولى، فإن ذلك لا يعني بالضرورة حدوث تحول سياسي عميق.
التغيير الحقيقي يحدث عندما يتغير منطق إنتاج السلطة.
عندما يصبح الوصول إلى البرلمان نتيجة للكفاءة والمشروع والثقة السياسية، وليس للنفوذ وحده.
عندما يصبح المنتخب ممثلًا للمواطنين، لا وسيطًا بينهم وبين الإدارة.
عندما تصبح الأحزاب مدارس لإنتاج النخب، لا خزانات لاستقطاب أصحاب الشبكات الانتخابية.
وعندما يستطيع المواطن أن يقول بوضوح: هذا الحزب فشل، ولذلك سأعاقبه؛ وهذا الحزب نجح، ولذلك سأمنحه ثقتي.
حينها فقط يصبح للصوت الانتخابي معنى سياسي كامل.
أما إذا كان المواطن يغير الورقة التي يضعها في الصندوق، بينما تبقى شبكات النفوذ نفسها هي التي تنتج النخب نفسها، فإننا نكون أمام تغيير في واجهة السياسة أكثر مما نحن أمام تغيير في بنية السياسة.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى:
قد تتصارع الأحزاب على السلطة، بينما يكون الأعيان قد حسموا جزءًا مهمًا من قواعد اللعبة قبل أن يبدأ الاقتراع.
لذلك فإن المعركة الديمقراطية الحقيقية ليست بين هذا الحزب وذاك.
إنها معركة من أجل استعادة السياسة من المال، والحزب من منطق الشخص، والانتخابات من منطق الصفقة، والمواطن من موقع التابع إلى موقع صاحب القرار.
فالديمقراطية لا تبدأ يوم يفتح صندوق الاقتراع، بل تبدأ عندما يصبح صوت المواطن قادرًا فعلًا على تغيير من يحكمه.






