الوئام هو ظلُّ الشجرة التي احتمى بها أبناء التناكية جيلاً بعد جيل، وهو السِّر الذي أبقى نارهم دافئة رغم عواصف الزمان وتقلباته. أبناء المختار بن سيدي حبيب الله الكنتي لم يكونوا مجرد بطن كريم من بطون أولاد سيدي حبيب الله، بل كانوا نبضاً يجمع بين العلم والنجدة والكرم والشجاعة، يضيئون الطريق لغيرهم ولا يتركون للفتنة مكاناً بين صفوفهم. واليوم، وقد طال بهم زمن الصمت والانشغال كلٌّ في شأنه، ها هم يستعيدون نداء القلب: أن يعودوا إلى الوئام، إلى ذلك الحبل المتين الذي صنع لهم المجد وحفظ لهم الذكر.
لقد عرف أبناء التناكية عبر تاريخهم الطويل بمكانة مرموقة، فقد امتلكوا أسباب السؤدد: من علم ومعرفة، ونخوة وكرم، وثروة وسخاء، وشجاعة حين دعا المقام إلى الذود عن الحياض. ومع مقدم الاستعمار، اختاروا طريق الصمود فدفعوا ثمنه غالياً: عُوقبوا وشُتّت بعضهم خارج واديهم “انتاكش”، واضطر بعضهم الآخر إلى مواقف ملائنة تجنبهم البطش المباشر. ومع بزوغ الدولة الوطنية، ظلوا على مسافة من المدرسة والسياسة، مكتفين بدعم متفرق للفاعلين المحليين دون تنسيق أو تجمع.
غير أن تحولات الثمانينيات حملت منعطفاً جديداً: التحق أبناؤهم بالتعليم، وبرزت في صفوفهم كوكبة من الأطباء والمهندسين والأساتذة، فيما انشغل آخرون بالتجارة حتى صاروا من بين أغنى الجماعات. لكنّ وفرة الكفاءات والثروات لم ترافقها مراجعة حقيقية للعلاقات البينية، وإن كان التاريخ يشهد لهم بميزة فريدة: ثلاثة قرون مضت دون أن يسجل بينهم اقتتال أو نهب لبعضهم البعض.
ومع مرور الزمن، بدأت نخبة شبابية تعيد طرح السؤال: إلى أين نسير؟ فبادر أحد أطرهم البارزين إلى دعوة الجميع –كل الفاعلين دون استثناء– إلى لقاء جامع. فكانت المفاجأة أن المبادرة لقيت إجماعاً ولم يسجل أي اعتراض، وكأن القلوب كانت تتهيأ لهذه اللحظة منذ زمن بعيد. وأسفر اللقاء عن تشكيل لجنة لوضع خارطة طريق، تهدف إلى إنشاء هيئة تعهد إليها بتسيير الشأن العام للجماعة وتوجيه جهودها نحو مزيد من الانسجام والفاعلية.
الخاتمة
إن العودة إلى الوئام ليست مجرد قرار تنظيمي أو مبادرة عابرة، بل هي عودة الروح إلى الجسد، وعودة الماء إلى مجراه، والطائر إلى عشه الأول. إنها استعادة لصوت الجدود وهم يوصون بالمحبة، وتجسيد لحلم الأبناء الذين ضاقوا ذرعاً بالتباعد. وما دام أبناء التناكية قد قرروا أن يمسكوا بزمام حاضرهم بأيديهم، فإن الغد يعدهم بمستقبل مشرق. فالوئام الذي حماهم في الماضي هو نفسه الذي سيحملهم نحو الغد، يوحد صفوفهم، ويعيد لاسمهم وهجه، ولذكراهم عبقها، ولأجيالهم القادمة حقها في أن تفخر بأنها تنتمي إلى جماعة قالت للتاريخ: نحن أبناء الوئام… وإليه نعود.





