sliderالمبتدأ

موريتانيا 2060: أي نموذج تنموي نريد؟ من اقتصاد الموارد إلى اقتصاد الإنسان والإنتاج

د. ختار الشيباني

حين نفكر في موريتانيا سنة 2060، لا ينبغي أن ينحصر سؤالنا في حجم الاقتصاد الذي نريد الوصول إليه، أو في عدد المشاريع التي يمكن إنجازها خلال العقود المقبلة. السؤال الأهم، في تقديري، هو: أي اقتصاد نريد أن نبني؟ وما الذي نريد أن يتغير فعلا في حياة المواطن الموريتاني؟

هذا السؤال يستحق أن يكون نقطة البداية لأي نقاش جاد حول مستقبل البلاد. فموريتانيا لا تفتقر إلى الموارد؛ لديها الحديد والذهب والنحاس والأسماك والثروة الحيوانية والأراضي الزراعية وإمكانات واعدة في مجال الغاز والطاقة المتجددة. كما تتمتع بموقع جغرافي يمنحها فرصا مهمة. ومع ذلك، ما زال التحدي قائما في تحويل هذه الإمكانات إلى إنتاج محلي أوسع، وفرص عمل أكثر، ودخل أفضل للأسر.
وهنا تكمن المفارقة التي ينبغي أن ننطلق منها: قد ترتفع الصادرات، وتتوسع الأنشطة الاستخراجية، وتتحسن مؤشرات النمو، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن المواطن سيشعر بتحسن مماثل في معيشته. فالمعيار الحقيقي للتنمية ليس فقط ما نبيعه للخارج، بل ما ننتجه داخل البلد، وما نوفره من عمل ودخل وخدمات وفرص.
في رأيي، تحتاج موريتانيا إلى مراجعة تدريجية لنموذجها الاقتصادي، بحيث لا تبقى في موقع البلد الذي يصدر موارده الأولية ويستورد جزءا كبيرا من حاجاته، بل تتجه إلى اقتصاد يخلق القيمة داخل حدوده. وهذا يعني ألا نكتفي باستخراج المعادن، بل نفكر في تحويل جزء منها محليا، وألا تقتصر استفادتنا من الثروة السمكية على الصيد والتصدير، بل تمتد إلى التصنيع والتخزين والتسويق. وينطبق الأمر نفسه على الثروة الحيوانية والزراعة، حيث توجد فرص حقيقية لتطوير الصناعات الغذائية وسلاسل الإنتاج والتوزيع.
إن توسيع هذه الأنشطة من شأنه أن يخلق فرص عمل، ويزيد دخل المنتجين، ويمنح الاقتصاد قدرة أكبر على مواجهة تقلبات أسعار المواد الأولية في الأسواق الدولية. فكلما اتسعت قاعدة الإنتاج المحلي، قل اعتمادنا على الخارج، وأصبحت عائداتنا أكثر ارتباطا بما ننجزه داخل البلد.
أما الغاز والطاقة المتجددة، فلا ينبغي النظر إليهما باعتبارهما مجرد مصدرين جديدين للتصدير والإيرادات. الأهم هو كيف يمكن توظيفهما في بناء اقتصاد أكثر تنافسية، من خلال تحسين البنية التحتية، وتوفير الطاقة للأنشطة الصناعية والزراعية، وجذب الاستثمارات، وتكوين الكفاءات الوطنية. كما أن حسن إدارة العائدات، وشفافية توجيهها نحو التعليم والصحة والاستثمار المنتج، يمثلان شرطا أساسيا حتى لا تتحول الثروة الجديدة إلى فرصة عابرة.
ولا يمكن تحقيق هذا التحول دون علاقة متوازنة بين الدولة والقطاع الخاص. فالدولة مطالبة بتوفير البنية التحتية، وضمان المنافسة، وتحسين مناخ الأعمال، ووضع قواعد مستقرة وواضحة للاستثمار. أما القطاع الخاص، فينبغي أن يكون شريكا حقيقيا في الإنتاج وخلق فرص العمل، لا مجرد وسيط في الاستيراد والتجارة. ومن هنا تبرز أهمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتسهيل حصولها على التمويل والتكوين والأسواق.
ومن القضايا التي أرى أنها تستحق اهتماما خاصا مسألة التنسيق بين السياسات الاقتصادية. فالسياسة النقدية، مهما كانت أهميتها، لا تستطيع وحدها معالجة التضخم أو حماية القدرة الشرائية. كما أن السياسة المالية لا تحقق أهدافها إذا لم ترتبط بتشجيع الإنتاج والاستثمار. عندما ترتفع الأسعار بسبب الاعتماد على الاستيراد، أو ارتفاع تكاليف النقل والطاقة، أو ضعف العرض المحلي، فإن معالجة المشكلة تقتضي النظر إلى هذه العوامل مجتمعة، وليس الاكتفاء بأداة واحدة. لذلك فإن التنسيق بين السياسات النقدية والمالية والإنتاجية والاجتماعية ينبغي أن يكون جزءا من طريقة إدارة الاقتصاد.
لكن لا اقتصاد منتجا من دون إنسان مؤهل. وأعتقد أن الاستثمار في التعليم والتكوين المهني والجامعة والبحث العلمي ينبغي أن يحتل مكانة مركزية في رؤية 2060. فالمطلوب ليس فقط تخريج أعداد متزايدة من الطلاب، بل إعداد كفاءات تتناسب مع حاجات الاقتصاد وسوق العمل، وتستطيع مواكبة التحولات التقنية والرقمية. كما أن تحسين الصحة والخدمات الأساسية ليس إنفاقا اجتماعيا فحسب، بل هو استثمار في إنتاجية الإنسان وقدرته على المشاركة في التنمية.
ولا ينبغي أن يظل النمو الاقتصادي متمركزا في مناطق محدودة. فلكل ولاية موريتانية إمكاناتها التي يمكن البناء عليها، سواء في الزراعة أو الثروة الحيوانية أو الصيد أو التعدين أو السياحة. والمطلوب هو ربط هذه الإمكانات بالطرق والكهرباء والمياه والاتصالات والأسواق، حتى لا تبقى التنمية بعيدة عن أجزاء واسعة من البلاد. كما أن الأمن الغذائي والمائي وحماية البيئة ومواجهة التصحر والتغيرات المناخية يجب أن تكون حاضرة في أي تصور جاد للمستقبل.
غير أن كل هذه التوجهات ستظل محدودة الأثر إذا بقيت مرتبطة ببرنامج حكومة واحدة أو بمرحلة سياسية معينة. فموريتانيا 2060 ينبغي أن تكون مشروعا وطنيا تتبناه الدولة، وتعمل على تحقيقه الحكومات المتعاقبة، رغم اختلاف برامجها وتوجهاتها. وليس المقصود أن تكون جميع الحكومات متطابقة في سياساتها، أو أن تفقد حقها في اختيار أولوياتها، وإنما أن تظل الأهداف الاستراتيجية الكبرى محل التزام مشترك، وأن تبني كل مرحلة على ما تحقق في المرحلة السابقة بدلا من البدء من جديد مع كل تغيير سياسي.
وهذا يتطلب توافقا وطنيا يشارك فيه الفاعلون السياسيون والاقتصاديون والجامعات والقطاع الخاص والمجتمع المدني والشباب، إلى جانب آليات مؤسسية لمتابعة التنفيذ وتقييم النتائج. فالرؤية التي لا تخضع للقياس والمراجعة قد تتحول إلى مجرد إعلان للنوايا، أما الرؤية التي ترتبط بمؤشرات واضحة ومسؤوليات محددة وتقارير دورية، فيمكن أن تصبح مرجعا فعليا لصناعة القرار.
في النهاية، لا أعتقد أن نجاح موريتانيا في أفق 2060 سيقاس فقط بحجم ما تنتجه من حديد وذهب وغاز، أو بما تحققه من أرقام في النمو والصادرات. سيقاس أيضا بقدرتها على تحويل هذه الثروات إلى مصانع ومزارع ومؤسسات منتجة، وإلى فرص عمل ودخل وخدمات أفضل، وبمدى شعور المواطن بأن ثروات بلاده انعكست على حياته ومستقبل أبنائه.
إن موريتانيا التي نريدها سنة 2060 هي دولة لا تكتفي بامتلاك الثروة، بل تعرف كيف تديرها وتستثمرها. دولة يكون فيها الإنسان محور التنمية وغايتها، ويصبح الإنتاج أساس الاقتصاد، وتكون العدالة وتكافؤ الفرص جزءا من ثمار النمو. وهذا، في تقديري، ليس مسؤولية حكومة بعينها، بل مسؤولية وطنية تتقاسمها الأجيال والحكومات المتعاقبة .

د. ختار الشيباني
أستاذ الاقتصاد وإدارة الأعمال – وزير سابق

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى