sliderالمبتدأ

كتب – المختار السالم: في ظلال الحروف

أي والله نعم! وكما كان متوقعًا، كانت الدورة التكوينية للشعراء الشباب التي احتضنها بيت شعر نواكشوط الأسبوع الماضي، مجالا للمناكفة أو للمواجهة أو لاستعراض الآراء مُجددا في شعر الحداثة وما بعد الحداثة، وفي قصيدة النثر التي نالت من السّب والشّتم والهجاءِ ما لم تحظ به في ماضي تاريخها المليء بالحرائق والدّخان.
لقد انقسم معسكر النقد، من أساتذة جامعات نواكشوط، إلى قسمين، فقد حضر القسم الأول الرافض للشعر النثري مدجَّجا بترسانة كبيرة من الاتهامات والنُّعوت والأدلّة على أن القصيدة النثرية شيء لم يكن ولا يمكن أن يكون، وقد صال الأساتذة وجالوا في هذا الطرح واصفين “قصيدة النثر بأنها وسيلة غير الشعراء إلى الشعر”، وإلى ادّعائِهِ، كما وصفوها بأنها الجرف الهاري الذي لنْ يردمَ الهاوية، ولم ولن يكون بمقدوره غير أن يزيدها عمقا، وتَـمَّ بالزعم، بشهودٍ ومن دونهم أيضا، أنَّ القصيدَة النثريةَ لم تستطع أن تحمل شاعرًا كبيرًا إلى الواجهةِ عبر التاريخ، الذي من خلاله تحوَّلَ أدعياؤُها وزمَّارُها إلى متورّطين في تسخيفِ العقل و”إغمائه بكلِّ حلم ناشف”.
ولقد كان لهؤلاء النقاد (الأساتذة) من الشعراء فيلقهم الدائم الإغارة على خباء قصيدة النثر وتجريدها من كل قيم فنية، إذ هي متهمة بـ”توريط الأدب فيما بعد الأدب”، وكانت “الحمَِيَّة” تصل بهم حدّ الترهيب لأنهم مدفوعون بـ”المؤطر الفائت”، فهم يعتبرون الشّعر النثري جناية على اللغة وعلى هوية الشعر ذاته… فيا للطين الذي هو جناية على أوراق الوردة لا على جذورها.
ولقد أتيح لهم من المناصرين والمصفقين ما خلق حالات حرج كادت فيها الدروس النظرية والتطبيقية أن تخرج إلى مستوى مسرح هزلي لا يشبع من ولا يغني من فكر، ولقد اعتبر هؤلاء أنهم وجدوا في قصيدة النثر، “يومَهم”، الذي سيجعل كل الأيام من “عليها”‘ وكل الليالي من أسفلها، قُضِيَّ الأمْرُ واتفق النقاد التقليديون وشعراء وثن الشّكلِ على ما رأوه ضربة نهائية في معركة طالت أكثر من اللازم، وصراع امتدَّ أبعد من الحلبةِ!!
وأما القسم الثاني من أساتذة النقد المؤيد للقصيدة النثرية فلم يحضر، وهذا الفريق، بالمناسبة لا يصل عدد أصابع اليد ولا يستبضع لأظافرها قطعًا.
هل كانت فرصة لوأد القصيدة النثرية في حاضنة لم تتلطف يوما في وجودها فاحتسبتها نزغا من الشيطان يضلّ به، فيعبث بصوامع الشعر ويسرف للمردة في وديانه بطشا، وتربُّصا، وتخرُّصا، وإفسادا في حرث اللغة؟
من حضر هذه الدورة قد يجزم بذلك، غير أن ما حدث كان يشبه إلى حدّ ما من تقوم بإشعال النّار في الغرفةِ المغلقة من حولهِ.. ذلك أنَّ منطق التاريخ يحكم دائما للأبداع بأنّه الخروج عن المألوف، وهو المنطق ذاته الذي يقرّر بأن المألوف إذا ألِـف لم يعد إبداعًا مهما حُسِّن وجُمِّل، بل هو تكريسُ “مكرَّر”، وسيُصِرُّ الذين آمنوا بدربِ التحديثِ على أن الإبداع أغلى من أن يتركَ للجُمُودِ، وعلى أنَّ حقل الورودِ قد لا يخلو من الشَّوكِ، وإنهم واعون بأنَّه لا يمكن للأشواكِ أن تثبت براءتها بالنَّبَاتِ في حقلِ الوُرُوْدِ.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى