هاشتاق

عن “التّبتيب”.. (La débrouillardise)

ظهر مفهوم “التَّبتيب” في بداية ثمانينات القرن الماضي واستشرى في الساحة الموريتانية تزامنا مع النزوح من الريف إلى المدينة وما يُمليه من ضرورة التأقلم والتكيف لأجل البقاء. فكان لا بدّ للمرء من إذكاء روح المقاومة والكفاح والابتكار وإجبار فكره على إيجاد حلول مناسبة لكسب معركة الحياة. ومن هنا بدأ “التّبتيب”.. تبتبَ زَيْدٌ، يُتوتبُ، تبتيبًا؛ فهو تَبْتابٌ.
لا أجد كلمة عربية تعطي المعنى الدقيق لعبارة “التّبتيب”، إلاّ أنها تعني الحِذْقُ والقُدْرةُ على الإبداع والتصرف عندما تشحُّ الوسائل وتنفد الموارد اللازمة لمواجهة الفقر والبطالة وصعوبة الأحوال. إنها الاعتماد على النفس والقُدرة على الاختراع والتصرف لتجاوز العراقيل وحلّ المشاكل. “التّبتيب” ليس عصا سحرية ولا وظيفة ولاخرق للعادة ولا إتقان، ولكنه بديلٌ عن ذلك كله. كان وما زال – في نظري على الأقل – صفة رائعة تنمّ عن عقل وجهاد، وغالبا ما تكون موهبة من الله.
لقد قطعنا ب”التّبتيب” عقودا عديدة وأزمانا مديدة قبل أن يفقد ألقَه ويتراجع أمام صولات أهل المال والاحتكار الذين اتخذوه سخريا وألصقوا به صفات لا تخلو من الازدراء. فأصبح “التبتاب” يعني “المخادع” و”التّبتيب” منقصة، وأصبح الاعتماد على المال أكثر من الاعتماد على الحيلة والتفكير، وتناقصت فرص التعبير عن البراعة في مواجهة المواقف الصعبة. وتراجعت القدرة على حل المشاكل باستخدام “المتاح” حتى ولو كان ضئيلا .. وبالمقابل انتشرت “الاتكالية” و”التّابعية” على خلاف ما يوصي به المثل: “ألِّ ما احلب بيْدُ ما يَبْياظْ اخْدَيْدُ!
اليوم وقد اختفى “التّبتيب” و”التبتابَ” أو تراجع كثيرا .. فماذا بعد؟

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى