
نواكشوط | الحرية نت: لم يكن غياب الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني عن افتتاح “المؤتمر الإفريقي لتعزيز السلم” في نسخته الحالية بنواكشوط مجرد “خلل في الأجندة”، بل اعتبره مراقبون “رسالة مشفرة” تعكس حجم الفتور الذي بات يطبع علاقات موريتانيا مع دولة الإمارات العربية المتحدة. فبعد سنوات من التماهي التام في المواقف السياسية، يبدو أن نواكشوط بدأت في رسم “مسافة أمان” دبلوماسية مع حليفها السابق.
دلالات سياسية
اعتاد المتابعون للشأن الموريتاني أن يكون مؤتمر السلم، الذي ترعاه الإمارات ويقوده العلامة عبد الله بن بيه، تظاهرة يفتتحها الرئيس شخصياً كدليل على متانة “الحلف الديني والسياسي”. غير أن غياب الغزواني هذا العام، في ظل توترات إقليمية متصاعدة، يُقرأ كإعلان عن رغبة موريتانيا في التحلل من التزامات المحاور الضيقة التي طبعت الحقبة الماضية.
تُشير التقارير إلى أن جذور الخلاف بدأت تتعمق مع تباين الرؤى حول ملفات السيادة العربية والإفريقية. وتبرز ثلاثة ملفات أساسية شكلت نقطة تحول:
1. الملف اليمني: ترفض نواكشوط بشكل مبدئي أي توجه يدعم انفصال جنوب اليمن، وهو الموقف الذي يتعارض مع التوجهات الإماراتية الداعمة للمجلس الانتقالي الجنوبي.
2. أزمة الصومال وأرض الصومال: تعتبر موريتانيا أن التدخلات الخارجية في الصومال، وخاصة المحاولات الرامية لشرعنة انفصال “أرض الصومال” (سـوماليلاند)، تمثل تهديداً للأمن القومي الإفريقي. وقد زاد اعتراف إسرائيل الأخير بـ”أرض الصومال” من حرج الموقف، حيث ترى نواكشوط في هذا المسار “فخاً سياسياً” يربط بين الانفصال والتطبيع، وهما أمران ترفضهما السلطة الحالية بشدة.
التطبيع.. العقدة التي لا تنفك
في الوقت الذي كانت فيه أبوظبي تأمل في أن تكون موريتانيا “الحلقة القادمة” في سلسلة اتفاقات أبراهام، أبدى الرئيس الغزواني ممانعة هادئة ولكنها صلبة. فالحسابات الداخلية الموريتانية، والحساسية الشعبية تجاه القضية الفلسطينية، جعلت من “فكرة التطبيع” عبئاً سياسياً لا تريد نواكشوط حمله، مما خلق حالة من “خيبة الأمل” لدى الجانب الإماراتي.
ويرى المحلل السياسي الموريتاني (محمد الأمين ولد الشيخ) أن “موريتانيا انتقلت من سياسة المقايضة (المواقف السياسية مقابل الدعم المالي) إلى سياسة التوازن الاستراتيجي”. ويضيف: “نواكشوط اليوم تهتم بعلاقاتها مع السعودية وقطر والجزائر والصين بقدر اهتمامها بالإمارات، وهو ما لا يروق لمقاربة الصديق الواحد التي تفضلها أبوظبي”.
العلاقات الموريتانية الإماراتية لا تتجه نحو التصادم، بل نحو “البرود الواعي”. فبينما تظل الروابط الاقتصادية قائمة، يبدو أن التحالف السياسي “الاستراتيجي” قد انتهى مفعوله، ليحل محله تعاون حذر يراعي فيه كل طرف خطوطه الحمراء، في ظل إقليم متموج لا يحتمل الانحيازات المطلقة.
الحرية نت





