sliderتقارير

سي عبد الله، يوجه رسالة مفتوحة للرئيس: الوحدة الوطنية تتطلب “عدالة انتقالية” واعترافاً صريحاً بمظالم الماضي

نواكشوط | الحرية نت: وجه السيد سي عبد الله، الأمين العام لمؤسسة المعارضة الديمقراطية والخلف البرلماني عن دائرة أمريكا الشمالية، رسالة مفتوحة إلى رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني، تضمنت رؤية نقدية عميقة لملف الوحدة الوطنية، رداً على الخطاب الرئاسي الأخير في مدينة كيهيدي.

استهل سي عبد الله رسالته بتثمين دعوة الرئيس لإعلاء رابطة المواطنة، معتبراً أن إقرار الدولة بوجود “صفحات مظلمة” في تاريخها الوطني يعد خطوة هامة لكسر منطق الإنكار. إلا أنه شدد على أن الوحدة الوطنية لا يمكن أن تظل حبيسة الذاكرة الضبابية أو الخطابات التوافقية، بل يجب أن تتحول إلى مسار ملموس من الحقيقة والعدالة.

تحديات “الإرث الإنساني” والمواطنة

وحذر سي عبد الله (عبر الرسالة) من أن المظالم التاريخية، بدءاً من “الإرث الإنساني” والترحيل القسري وصولاً إلى مخلفات العبودية والتمييز، ليست مجرد ذكريات، بل هي واقع حي يُنتج اختلالات في الإدارة والعدالة والولوج إلى الملكية والوظائف القيادية. وتساءل الأمين العام لمؤسسة المعارضة: “كيف يمكن تحمل كامل تاريخنا دون تسمية الوقائع بوضوح، ودون الاعتراف بمسؤوليات الدولة؟”.

خارطة طريق للمصالحة

وطرحت الرسالة رؤية لإنهاء الأزمات البنيوية في البلاد، تقوم على:

• الاعتراف الصريح: بدلاً من سياسة نسيان الماضي أو طي الصفحة قبل قراءتها.

• الإصلاح المؤسسي: ضمان المساواة الحقيقية في الوصول للمسؤوليات العمومية.

• اللغات الوطنية: إنهاء تهميش اللغات غير العربية كجزء من الاعتراف بالهوية الوطنية الشاملة.

• جبر الضرر: اعتماد سياسات مادية ورمزية لضحايا المظالم السابقة.

واختتم سي عبد الله رسالته بالتأكيد على أن الوحدة الوطنية تُبنى بـ “أفعال شجاعة” تضمن ألا يشعر أي موريتاني بأنه “مُتسامَح معه” فقط، بل بأنه مواطن كامل الحقوق، وهو الطريق الوحيد لتحويل التاريخ المؤلم إلى أساس لمستقبل مشترك.

نص الرسالة المفتوحة كاملاً:

رسالة مفتوحة إلى فخامة رئيس الجمهورية الإسلامية الموريتانية

السيد محمد ولد الشيخ الغزواني

فخامة الرئيس،

في مدينة كيهيدي، وخلال لقائكم بسكان ولاية غورغول، دعوتم بإلحاح إلى تعزيز الوحدة الوطنية وإعلاء رابطة المواطنة فوق كل اعتبار آخر. وفي بلد مثل موريتانيا، موسوم بتاريخ معقّد ومتعدد، وأحيانًا مأساوي، لا يمكن لمثل هذا النداء إلا أن يلقى صدىً لدى كل مواطن متمسك بالمثال الجمهوري.

لقد أقررتم بأن تاريخنا الوطني يضم صفحات مشرقة وأخرى كنا نتمنى لو لم تُكتب، وأكدتم كذلك أن أي مكوّن من مكونات الوطن لم يكن بمنأى كامل عن الظلم، ولا بعيدًا تمامًا عن ممارسته. إن هذا الإقرار مهم، لأنه يقطع مع منطق الإنكار، ويفتح – نظريًا – الباب أمام قراءة أكثر صدقًا لماضينا المشترك.

غير أنّ التاريخ المؤلم في موريتانيا، فخامة الرئيس، ليس مجرد ذكرى بعيدة؛ بل يظل واقعًا حيًّا، اجتماعيًا وإداريًا، وأحيانًا مؤسسيًا. فالإرث الإنساني الثقيل، وعمليات الترحيل القسري، وعمليات الإعدام خارج نطاق القانون، وممارسة العبودية وما خلّفته من آثار، والتمييز القائم على الأصل أو لون البشرة أو اللغة أو الانتماء الاجتماعي، ليست قضايا ذاكرة مجردة. بل ما تزال تُنتج اختلالات حقيقية في الولوج إلى الأرض، والعمل، والمؤسسة العسكرية، والإدارة، والعدالة، والاعتراف الوطني.

ومن هنا يطرح سؤال جوهري نفسه: كيف يمكن “تحمّل كامل تاريخنا” دون تسمية هذه الوقائع بوضوح، دون الاعتراف بمسؤوليات الدولة، ودون الشروع في آليات ملموسة للحقيقة والعدالة وجبر الضرر؟

إن الوحدة الوطنية لا يمكن أن تُبنى على ذاكرة ضبابية أو مُحايدة، تُسوّى فيها كل المظالم دون تمييز في طبيعتها أو حجمها أو آثارها.

لقد أكدتم أنه لا أمل لشعب يظل أسير لحظة معينة من تاريخه. وهذه حقيقة لا جدال فيها. لكنها لا يمكن أن تُفهم في موريتانيا بوصفها دعوة إلى طيّ الصفحة قبل قراءتها حتى النهاية. فلا يمكن الخروج من الماضي بالنسيان، بل بالاعتراف الصريح بالحقيقة وإحقاق العدالة.

إن الشعوب التي أشرتم إليها، والتي تجاوزت مآسي عميقة، لم تفعل ذلك عبر دعوات مجردة إلى الوحدة أو الصبر، بل عبر سياسات واضحة للاعتراف، وإنشاء لجان للحقيقة، واعتماد جبر ضرر رمزي ومادي، وقبل كل شيء عبر إصلاحات بنيوية تضمن المساواة الحقيقية بين المواطنين.

إن جعل المواطنة فوق كل اعتبار آخر، كما تفضلتم بالتأكيد، مبدأ تأسيسي. غير أنّ المواطنة في موريتانيا تظل منقوصة ما دام بعض المواطنين يشعرون بأنهم مُتسامَح معهم بدل أن يكونوا معترفًا بهم اعترافًا كاملًا، وما دامت اللغات الوطنية غير العربية مهمّشة، وما دامت الوصول إلى المسؤوليات العمومية لا يُنظر إليه باعتباره منصفًا، وما دامت العدالة لا تُعاش باعتبارها واحدة للجميع.

فخامة الرئيس، إن الوحدة الوطنية لا تُرسَّخ بخطابات توافقية، مهما حسنت نواياها. إنها تُبنى بأفعال شجاعة، قد تكون أحيانًا صعبة، لكنها ضرورية: قول الحقيقة، وجبر المظالم، وإصلاح المؤسسات، وضمان المساواة دون شروط ولا تراتبيات ضمنية.

وعند هذا الحد، وبه وحده، تستطيع موريتانيا أن تحوّل تاريخها المؤلم إلى أساس لمستقبل مشترك، مشرق بحق ومشترك بين جميع أبنائه.

وتفضلوا، فخامة رئيس الجمهورية، بقبول فائق عبارات التقدير الجمهوري.

سـي عبد الله

الأمين العام لمؤسسة المعارضة الديمقراطية

خَلِيف النائب عن دائرة أمريكا الشمالية

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى